اوروبا وتحوّل سياسة اللجوء في 2026: من "حق الحماية" الى "فكرة الدول الامنة"

في 2026 قد لا يُسأل طالب اللجوء عما هرب منه، بل يُحاسب على البلد الذي جاء منه.

اوروبا وتحوّل سياسة اللجوء في 2026: من "حق الحماية" الى "فكرة الدول الامنة"

في العقد الاخير، لم تعد سياسة اللجوء في اوروبا تُقدَّم بوصفها استجابة انسانية استثنائية لحالات خطر فردية، بل كمنظومة ادارة دائمة للتدفقات البشرية.التحول الاوضح في هذا المسار هو الانتقال من منطق«حق الحماية»الى منطق«الدول الامنة»، حيث يصبح السؤال الاول عند الوصول:من اين اتيت؟قبل ان يكون:مماذا تهرب؟.هذا التحول بلغ ذروته مع اقرار حزمة الهجرة واللجوء الاوروبية في يونيو 2024، والدخول في فترة انتقالية مدتها عامان كاملان، على ان يبدأ التطبيق الكامل في 12 يونيو 2026.بهذا المعنى، لم يعد الحديث عن توجه سياسي عابر، بل عن اعادة هندسة شاملة لبوابة اللجوء في الاتحاد الاوروبي.

جوهر فكرة«دول المنشأ الامنة»يقوم على افتراض مسبق:اذا كانت دولة معينة مصنفة اوروبيا على انها«امنة»، فان طلبات اللجوء القادمة منها تُعد ذات حظوظ منخفضة، وتُحال تلقائيا الى اجراءات معجلة، قد تُنفذ عند الحدود او في مناطق العبور.الجديد هنا ليس المبدأ ذاته، بل توحيده اوروبيا.ففي ديسمبر 2025، توصل مجلس الاتحاد الاوروبي والبرلمان الاوروبي الى اتفاق على اول قائمة اوروبية موحدة لدول منشأ امنة، تضم:بنغلادش، كولومبيا، مصر، الهند، كوسوفو، المغرب، وتونس، مع اعتبار دول مرشحة للانضمام«امنة»ايضا، الا في حالات محددة مثل وجود نزاع مسلح، او فرض عقوبات اوروبية، او ارتفاع معدل قبول طلبات اللجوء فوق 20%.

غير ان هذا التوحيد يفتح سؤالا محوريا:من يحدد الامان وباي معيار؟ رسميا، التصنيف يصدر بتشريع مشترك من المجلس والبرلمان، مع دور رقابي للمفوضية الاوروبية التي تستطيع تعليق دولة او جزء من اراضيها او فئات معينة اذا تغيرت الظروف.كما يبقى الباب مفتوحا للطعن امام محكمة العدل الاوروبية.لكن منظمات حقوقية ترى ان هذا الاطار القانوني لا يحل المعضلة الاساسية:الامان ليس وصفا سياسيا عاما، بل تجربة فردية.فدولة قد تكون«امنة»لغالبية سكانها، لكنها خطرة على صحافيين، معارضين، او اقليات محددة، وهو ما يجعل الفرز الجماعي السريع على اساس الجنسية محل نزاع دائم مع معايير حقوق الانسان.

لماذا اذا تتجه اوروبا الى هذا الخيار رغم حساسيته؟ الجواب يكمن في الارقام والضغوط السياسية.في عام 2024، سجل الاتحاد الاوروبي نحو 911,960 طالب لجوء لاول مرة، وهو رقم انخفض بنحو 13%مقارنة بعام 2023.ورغم هذا التراجع النسبي، بقي الضغط مرتفعا في دول الواجهة مثل اليونان وايطاليا واسبانيا، خصوصا اذا قيس عدد طالبي اللجوء بعدد السكان.هذا التناقض—انخفاض اجمالي الارقام مقابل استمرار الشعور بالضغط—خلق مناخا سياسيا ترى فيه الحكومات ان“السرعة”اهم من“العمق”، وان تسريع الاجراءات بات ضرورة انتخابية بقدر ما هو خيار اداري.

في هذا السياق، يتحول الاستثناء الى قاعدة.ما كان يفترض ان يُستخدم فقط في حالات محدودة يصبح مسارا واسعا لفئات كاملة من الجنسيات.ومع بدء التطبيق الكامل لحزمة الهجرة واللجوء في يونيو 2026، ستصبح الاجراءات المعجلة واجراءات الحدود جزءا بنيويا من النظام الاوروبي الموحد، لا مجرد ادوات طارئة.بل ان بعض عناصر هذا المنطق بدأت فعليا قبل 2026، مثل ربط استخدام الاجراءات الحدودية المعجلة بنسب الاعتراف المنخفضة التي تقل عن 20%لجنسيات معينة.

اثر هذا التحول لا يتوقف عند بوابة الدخول، بل يمتد مباشرة الى سياسة الارجاع.فالتسريع في رفض الطلبات يعني، من وجهة نظر مجلس الاتحاد الاوروبي، تسريعا موازيا في اعادة الاشخاص الذين رُفضت طلباتهم.لذلك، تتكثف الشراكات مع دول خارج الاتحاد—دول منشأ او عبور—لضمان قبول اعادة رعاياها، سواء عبر اتفاقيات رسمية او ترتيبات عملية.هذه الشراكات باتت جزءا مركزيا من السياسة الاوروبية، خصوصا مع سعي الاتحاد الى جعل الارجاع اكثر“فعالية”بعد سنوات من ضعف التنفيذ.

في المقابل، تحذر منظمات حقوق الانسان من ان هذا المسار يحمل مخاطر واضحة.تقليص مدد الاجراءات قد يضعف قدرة طالبي اللجوء على تقديم ادلة كافية او الحصول على مساعدة قانونية فعالة.كما ان توسيع استخدام قوائم«الدول الامنة»قد يحول التصنيف السياسي المتغير الى حقيقة اجرائية ثابتة.ومع نقل جزء متزايد من مسؤولية الضبط الى دول خارج الاتحاد، يبرز تساؤل اضافي حول مستوى الحماية والمعايير الحقوقية في تلك الدول.

الخلاصة ان اوروبا لا تلغي حق اللجوء رسميا، لكنها تعيد رسم شروط الوصول اليه.فبين يونيو 2024 ويونيو 2026، يتبلور نظام يجعل الفرز السريع والارجاع المبكر ادوات مركزية.الحماية تبقى مبدأ قانونيا، لكن الطريق اليها صار اقصر، واشد، واكثر تقييدا.والسؤال الذي سيحكم مرحلة ما بعد 2026 هو ما اذا كان هذا التوازن الجديد سيحافظ على جوهر حق اللجوء، ام سيجعل من تقليصه القاعدة الصامتة في سياسة اوروبا المقبلة.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)