14 يناير: يوم تحوّل الربيع العربي من فكرة إلى واقع

في 14 يناير لم يتغير نظام فقط، بل تغير تصور الشعوب لما هو ممكن.

14 يناير: يوم تحوّل الربيع العربي من فكرة إلى واقع

في مثل هذا اليوم، 14 يناير 2011، خرج الرئيس التونسي زين العابدين بن علي من البلاد بعد أسابيع من احتجاجات شعبية متصاعدة، في لحظة بدت لكثيرين وكأنها كسرت حاجز الخوف وفتحت بابًا جديدًا في التاريخ السياسي العربي.ذلك اليوم لم يكن مجرد نهاية حكم استمر أكثر من عقدين، بل لحظة رمزية أعادت تعريف فكرة“الممكن”في المنطقة، وجعلت سقوط نظام راسخ يبدو فجأة أمرًا قابلًا للتكرار.

المثير في تلك الليلة ليس حدث تونس وحده، بل ما ترتب عليه اقليميا:كثيرون في المنطقة قرؤوا المشهد كرسالة بسيطة ومرعبة في الوقت نفسه:"اذا سقط رئيس هنا، فالفكرة قابلة للانتقال".هكذا بدأ"تاثير الدومينو"يعمل، لا كعدوى عاطفية فقط، بل كتحول في الحسابات.نجاح احتجاجات تونس منح الناس في دول اخرى دليلا عمليا على امكانية التغيير، وساهم في اشعال موجات احتجاج لاحقة، بينها مصر التي شهدت بدايات حراك واسع في 25 يناير 2011 ضمن التسلسل الزمني المعروف للربيع العربي.

لكن لماذا بدا الامر كدومينو اقليمي؟ لان الدول العربية في ذلك الوقت كانت تشترك في“بنية ازمة”متقاربة:بطالة مرتفعة بين الشباب، شعور بالانسداد السياسي، فساد، وتفاوت اقتصادي، مع كتلة شبابية متعلمة لكنها محبطة.هذه العناصر كانت موجودة في اكثر من بلد، فجاءت تونس كـ"برهان"لا كـ"سبب وحيد".كما أن السقوط في تونس جاء سريعًا نسبيًا، وبأدوات بدت بسيطة ومألوفة:احتجاجات شعبية، مطالب اجتماعية واضحة، وانهيار في شرعية السلطة أمام الشارع.لم يكن هناك انقلاب عسكري كلاسيكي، ولا حرب أهلية، بل ضغط متراكم انفجر في لحظة سياسية حاسمة.هذا النموذج بعث رسالة قوية إلى شعوب أخرى تعيش ظروفًا متشابهة:البطالة، الفساد، غياب العدالة، وانسداد الأفق السياسي.الرسالة لم تكن نظرية، بل عملية:إذا سقط هنا، فقد يسقط هناك.

ساهم الإعلام، التقليدي والرقمي، في تحويل الحدث التونسي إلى نموذج قابل للاستنساخ.للمرة الأولى، تابع ملايين العرب مشهدًا متكاملًا لسقوط رئيس عبر الشاشات والهواتف، خطوة بخطوة.لم تعد الأخبار تُروى بعد انتهائها، بل كانت تُبث لحظة بلحظة، ما خلق شعورًا بالمشاركة والعدوى السياسية.بدا وكأن الشعوب تتبادل“دليل استخدام”للاحتجاج:كيف تبدأ، كيف تتوسع، وكيف يمكن أن تنتهي.

لكن فكرة"تأثير الدومينو"سرعان ما اصطدمت بالواقع.فمع أن الاحتجاجات اندلعت في دول عدة، إلا أن النتائج جاءت مختلفة جذريًا.السبب الأول لذلك هو اختلاف بنية الدولة.في تونس، كانت مؤسسات الدولة، خصوصًا الجيش، أقل اندماجًا في السلطة السياسية، ما سمح بانتقال سريع نسبيًا دون انهيار شامل.في دول أخرى، كانت السلطة أكثر التصاقًا بالمؤسسة العسكرية والأمنية، ما جعل أي تهديد للنظام يُقرأ كتهديد وجودي، ودفع نحو القمع أو الصدام المفتوح.

السبب الثاني يتعلق بالمجتمع نفسه:درجة التنظيم، وجود نقابات أو قوى وسيطة، وقدرة النخب على التفاوض أو إنتاج بدائل سياسية.حيثما وُجدت قنوات تنظيمية، أمكن احتواء الصدمة أو إدارتها.وحيث غابت، تحولت الاحتجاجات إلى فراغ سياسي سرعان ما ملأته الفوضى أو التدخلات الخارجية.كما لعب العامل الاقتصادي دورًا حاسمًا؛ فالدول الريعية استطاعت شراء الوقت وتهدئة الشارع عبر الإنفاق، بينما كانت الدول ذات الموارد المحدودة أكثر هشاشة أمام الانفجار.

أما العامل الثالث، فهو البيئة الإقليمية والدولية.بعض الساحات تحولت بسرعة إلى مسرح صراع نفوذ بين قوى خارجية، ما غيّر مسار"الدومينو"من انتقال سياسي إلى نزاع طويل.وهنا يتضح أن الشرارة قد تكون واحدة، لكن المواد التي تشتعل ليست متشابهة.

بعد سنوات، يبدو 14 يناير لحظة مفصلية لا لأنها أسقطت رئيسًا فقط، بل لأنها كشفت وهم التعميم السريع.الربيع العربي لم يكن قصة واحدة، بل مسارات متعددة بدأت من لحظة مشتركة.الدرس الأهم ربما هو أن سقوط النظام لا يساوي بالضرورة بناء بديل، وأن الدومينو السياسي لا يسقط وفق قوانين ميكانيكية، بل وفق تعقيدات كل دولة ومجتمع

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)