بين اللذة والمرض: كيف يعيد تناول السكر تشكيل اجسادنا؟

السكر لا يغيّر مستوى الغلوكوز فقط، بل يعيد تشكيل أنظمة الطاقة والدهون في أجسادنا عبر تكرار يومي يبدو بسيطًا لكنه تراكمي.

بين اللذة والمرض: كيف يعيد تناول السكر تشكيل اجسادنا؟

يبدو السكر في حياتنا اليومية كمتعة صغيرة"لا تضر":ملعقة في الشاي، قطعة حلوى بعد الغداء، او مشروب محلى يرافق ضغط العمل.لكن ما ان ننظر الى الصورة الاوسع، يتضح ان المسالة ليست"سعرات"فقط، بل نمط تعرض متكرر يضغط على انظمة الجسم الحيوية ويعيد تشكيلها ببطء:من تنظيم الطاقة والانسولين، الى تراكم الدهون الحشوية، الى الالتهاب المزمن، ثم الى امراض القلب والتمثيل الغذائي وتسوس الاسنان.لهذا السبب تضع منظمة الصحة العالمية سقفا واضحا لاستهلاك"السكريات الحرة"(المضافة، وسكريات العسل والعصائر ونحوها):اقل من 10%من اجمالي الطاقة اليومية، ويفضل ان تنخفض الى اقل من 5%لتحقيق فوائد اضافية، خصوصا في تقليل خطر تسوس الاسنان عبر العمر(World Health Organization[WHO],2015).هذا السقف لا ياتي من فراغ؛ بل من تراكم ادلة تربط بين ارتفاع السكر، وخصوصا في المشروبات، وبين مسار مرضي طويل يبدأ غالبا باختلال بسيط في التوازن، وينتهي باعباء صحية واقتصادية واسعة.

على مستوى"هندسة الجسم"اليومية، السكر يعمل كزر سريع في نظام الطاقة:يرفع الغلوكوز في الدم بسرعة، فيستجيب الجسم بافراز الانسولين لاعادة الغلوكوز الى الخلايا.المشكلة لا تكمن في هذه العملية بحد ذاتها، بل في تكرارها بكثافة على مدار اليوم، خاصة عندما يكون السكر في صورة سائلة او في منتجات فائقة المعالجة سريعة الامتصاص.التكرار المستمر لقمم الغلوكوز والانسولين قد يساهم مع الزمن في مقاومة الانسولين، وهي بوابة رئيسية لظهور السكري من النوع الثاني وزيادة الدهون الحشوية واضطراب الدهون في الدم.من هنا يصبح"مصدر السكر"مهما جدا:مراجعات وبحوث وبائية حديثة تشير الى ان السكر عندما ياتي عبر المشروبات المحلاة يرتبط بشكل اكثر ثباتا بزيادة خطر السكري من النوع الثاني، مع تقديرات تفيد بارتفاع الخطر بنحو 13%الى 30%لكل حصة يومية اضافية من المشروبات المحلاة(Malik et al.,2010;Imamura et al.,2015).هذا لا يعني ان كل من يشرب مشروبا محلى سيصاب بالسكري، لكنه يعني ان التعرض اليومي المتكرر يرفع الاحتمال على مستوى السكان، ويجعل المسالة"بنية سلوكية"وليست حدثا فرديا معزولا.وفي الاتجاه نفسه، توصي جمعية القلب الاميركية بتقليل"السكريات المضافة"الى حدود عملية واضحة:نحو 25 غراما يوميا للنساء(نحو 6 ملاعق شاي)و36 غراما يوميا للرجال(نحو 9 ملاعق شاي)، لان عبء السكر يرتبط ايضا بصحة القلب والوزن(American Heart Association,2023).

حين ينتقل السكر من الدم الى"خرائط الدهون"داخل الجسم، تتضح علاقة اللذة بالمرض بصورة اشد.جزء من المشكلة الحديثة ان السكر لا ياتي وحده، بل ضمن بيئة غذائية تجمع الحلاوة مع قوام جذاب ودهون وملح، ما يجعل الاستهلاك اسهل والكمية اكبر دون انتباه.هنا تبرز الكبد كحلقة مركزية:الكبد يتعامل مع فائض الطاقة والسكريات، وخصوصا الفركتوز في سياق زيادة السعرات، وقد يرتبط ذلك بارتفاع مؤشرات مرض الكبد الدهني غير الكحولي.التحليلات التجميعية للتجارب المحكمة تشير الى ان الفركتوز عندما ياتي"بزيادة سعرات"وخاصة عبر المشروبات المحلاة، يمكن ان يرفع بعض مؤشرات الكبد الدهني(Chiu et al.,2014;Zhang et al.,2022).المعنى العملي ان المشكلة ليست"سكر الفاكهة"داخل ثمرة كاملة غنية بالالياف، بل مزيج السرعة والكمية والفائض الطاقي الذي تتيحه منتجات محلاة وسهلة الشرب، بحيث تدخل الطاقة بسرعة دون اشباع كاف، ثم تتراكم اثارها عبر الوقت.ومع تراكم الدهون الحشوية والالتهاب منخفض الدرجة، تزداد احتمالات اضطرابات القلب والاوعية، ليس بالسكر وحده، بل عبر سلسلة من التغيرات المتداخلة في الوزن والضغط والدهون والتمثيل الغذائي.

ولا يمكن الحديث عن اعادة تشكيل الاجساد دون الالتفات الى"السكر كسلوك اجتماعي"لا كمادة غذائية فقط.السكر اليوم منتشر ومخفي في منتجات يومية كثيرة، وتكرار التعرض له يغير خط الاساس للذائقة:يصبح"الطبيعي"اقل حلاوة في نظرنا، فنطلب مزيدا.لهذا السبب تحذر منظمة الصحة العالمية ايضا من المشروبات المحلاة للاطفال الصغار، وتربط تقليل السكريات الحرة بتقليل تسوس الاسنان بوصفه من اكثر الاضرار شيوعا عالميا(WHO,2017).وفي جانب مرتبط بالاتجاهات العالمية، تشير دراسة في BMJ الى ان استهلاك المشروبات المحلاة بين الاطفال والمراهقين(3–19 سنة)في 185 دولة زاد بنحو 23%بين 1990 و2018، وهو رقم يوضح كيف تتحول الحلاوة الى"بنية استهلاك"عابرة للحدود، لا مجرد خيار فردي(Singh et al.,2024).هذا السياق يفسر لماذا تبدو نصيحة"قلل السكر"سهلة على الورق وصعبة في الواقع:لان البيئة الغذائية تعمل بعكسها، من التسويق المكثف الى توفر البدائل المحلاة الرخيصة الى حضور السكر في منتجات لا نتوقعها.

الخلاصة ان السكر يعيد تشكيل اجسادنا عبر مسارين متلازمين:مسار فسيولوجي يعيد برمجة تنظيم الطاقة(قمم غلوكوز وانسولين، مقاومة انسولين، دهون حشوية، كبد دهني لدى بعض الانماط الغذائية)، ومسار بيئي–سلوكي يجعل التعرض متكررا وطبيعيا ومخفيًا.لهذا تبدو افضل مقاربة ليست"المنع"بقدر ما هي"خفض التعرض":تقليل المشروبات المحلاة كاولوية اولى، وقراءة الملصقات للبحث عن السكريات المضافة، واعادة توازن الوجبة عبر الالياف والبروتين والدهون الصحية كي لا تتحول الحلاوة الى دفعات متكررة من الجوع والطاقة المتذبذبة.وعندما نضع ارقاما مرجعية مثل سقف منظمة الصحة العالمية(اقل من 10%ويفضل اقل من 5%من الطاقة)وحدود جمعية القلب الاميركية(25 غ للنساء و36 غ للرجال)، يتحول القرار من شعور بالذنب الى خطة قابلة للقياس(WHO,2015;American Heart Association,2023).بين اللذة والمرض، ليس المطلوب قتل المتعة، بل فك الارتباط اليومي المتكرر الذي يجعل السكر"نظاما"يشكل الجسد بصمت.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
بين اللذة والمرض_ كيف يعيد تناول السكر تشكيل اجسادنا؟.pdf
106.9 KB