خارج طرفي الهجوم المباشرين، برزت ثلاث عائلات من التصريحات الدولية:بيانات أوروبية تدين الرد الإيراني وتدعو للعودة للمفاوضات، مواقف أممية تُحذر من الكلفة الإنسانية وتطلب ضبط النفس، وخطاب روسي(ومواقف دول أخرى)يركز على"العدوان"و"انتهاك القانون الدولي"مع دفع نحو مجلس الأمن.
الموقف الأوروبي الأوضح جاء عبر بيان ثلاثي من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.الثلاثة شددوا أنهم لم يشاركوا في الضربات، لكنهم أدانوا الهجمات الإيرانية في المنطقة ودعوا طهران إلى"الامتناع عن الضربات العشوائية"والعودة إلى مسار التفاوض.وفي النص نفسه، أعادوا تثبيت مطالبهم التقليدية:وقف الطموحات النووية والصاروخية، وإنهاء ما وصفوه بالأفعال المزعزعة للاستقرار، مع لغة سياسية حول حق الإيرانيين في تقرير مستقبلهم.دلالة البيان ليست في الإدانة وحدها، بل في ترتيب الأولويات:التركيز على وقف ردود إيران الإقليمية بوصفها الخطر الأكثر إلحاحا على المدنيين والاستقرار، مع إبقاء"باب الدبلوماسية"مفتوحا كحل نهائي.
فرنسا، عبر الرئيس إيمانويل ماكرون، قدّمت موقفا أكثر"إجرائية"في نفس اليوم، إذ دعا إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن، واعتبر الوضع تهديدا للاستقرار العالمي، وأكد استعداد بلاده لدعم حلفائها إذا طُلب منها.وفي الوقت ذاته، شدد على ضرورة أن تدخل إيران"مفاوضات جدية"لوقف برنامجها النووي والصاروخي.كما أجرى اتصالات مع قادة في الخليج والأردن، في إشارة إلى أن باريس تقرأ الأزمة كأزمة أمن جماعي تتطلب إدارة تحالفات وحماية شركاء، لا مجرد تعليق دبلوماسي.
مواقف الأمم المتحدة برزت على خط مختلف:لغة التحذير من الكلفة الإنسانية والانزلاق.نقلت رويترز أن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك انتقد العنف"من الطرفين"وحذّر من عواقب إنسانية خطيرة ودعا إلى ضبط النفس.هذه اللهجة الأممية عادة تبتعد عن تبني سردية طرف بعينه، وتركز على حماية المدنيين ومنع التدهور، وهو ما يعكس قلقا مؤسسيا من أن يتحول التصعيد إلى حرب إقليمية طويلة تتوسع فيها الضربات خارج الأهداف العسكرية المعلنة.
أما روسيا، فكانت صاحبة الموقف الأكثر حدة في توصيف الضربات، إذ وصفتها وزارة الخارجية الروسية بأنها"عمل عدواني مسلح مخطط وغير مستفز"ضد دولة عضو في الأمم المتحدة، ودعت إلى وقف فوري للحملة والعودة للدبلوماسية، وحذرت من مخاطر إنسانية واقتصادية وحتى"إشعاعية"إذا طال القصف منشآت نووية.موسكو كذلك دعمت فكرة جلسة لمجلس الأمن، وقدّمت نفسها كطرف مستعد للوساطة، لكنها في الوقت نفسه اتهمت واشنطن وتل أبيب بـ"الاختباء"خلف ملف إيران النووي لتحقيق أجندة تغيير نظام.مضمون هذا الخطاب يقرأ الأزمة كصراع على شرعية استخدام القوة في النظام الدولي، وليس فقط كأزمة أمن إقليمي.
في المقابل، ظهرت مواقف غربية أخرى منحازة أكثر لخط"منع إيران من امتلاك سلاح نووي"حتى وهي خارج طرفي الهجوم.أوردت رويترز أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عبّر عن دعم للموقف الأمريكي من زاوية منع إيران من امتلاك سلاح نووي.أهمية هذا النوع من التصريحات أنه يضع"الغاية"(عدم الانتشار)كإطار شرعي أوسع يُستخدم لتبرير تشدد سياسي، حتى لو بقيت التفاصيل العسكرية موضع جدل.
إسبانيا اتخذت نبرة مختلفة:الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية واحترام القانون الدولي.أشارت رويترز إلى أن مسؤولين إسبان طالبوا بوقف القتال والعودة إلى قواعد الشرعية الدولية.هذا الخطاب ينسجم مع تقليد أوروبي جنوبي يفضل لغة"خفض التصعيد"والتحذير من الحرب، وغالبا ما يبتعد عن تبني مبررات أمنية صلبة لصالح التركيز على الإطار القانوني والإنساني.
النرويج قدّمت من بين المواقف الأوروبية الأكثر انتقادا للضربات نفسها.في التغطيات التي جمعتها رويترز ووكالة Associated Press، وُصف الموقف النرويجي بأنه يرى الضربات الإسرائيلية"غير منسجمة"مع القانون الدولي.إدراج هذا الصوت مهم لأنه يبين أن المعسكر الغربي ليس كتلة واحدة في تقييم شرعية الضربات:بعض العواصم تُدين رد إيران وتطالبها بضبط النفس، بينما أخرى تُضيف شكّا صريحا في قانونية الضربات الابتدائية وتدفع باتجاه أولوية القانون الدولي.
منطقة الخليج—وإن كانت جغرافيا في قلب الحدث—قدّمت خطابا"سياديا"أكثر منه أيديولوجيا:القلق من انتقال ساحة الرد إلى أراضيها.حتى عندما لا تصدر بيانات مطولة في كل حالة، تشير تغطيات اليوم نفسه إلى أن دولا خليجية دانت استهداف أراضيها وحذرت من تداعيات توسع الحرب، وهو نمط مفهوم:هذه الدول تريد منع تحويل أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات، وتضغط عادة باتجاه احتواء المواجهة وحماية الملاحة والطيران والاقتصاد.
سلطنة عمان—التي تُذكر باستمرار كقناة تواصل ووساطة—قدمت موقفا يحمل حساسية خاصة:نقلت رويترز أنها انتقدت ما اعتبرته تقويضا لجهود الوساطة ودعت الولايات المتحدة لتجنب التورط الأعمق.جوهر خطاب عمان هنا ليس إدانة طرف بقدر ما هو الدفاع عن"منطق الوساطة":أي تصعيد كبير يقتل فرص التفاوض التي بُنيت بصعوبة، ويضع الوسيط أمام واقع تُدار فيه الأزمة بالقوة لا بالمحادثات.
لبنان، عبر رئيس الحكومة نواف سلام، حذر من مخاطر زعزعة الاستقرار الإقليمي.هذا النوع من التصريحات من دولة هشة اقتصاديا وأمنيا يعكس خوفا مباشرا من انتقال آثار الحرب إلى ساحات أخرى:موجات نزوح، ضغط اقتصادي، وتوترات أمنية داخلية.وهي لهجة شائعة من الدول القريبة من خطوط النار التي لا تملك رفاه"المواقف الرمزية"، لأن أي انفجار إقليمي ينعكس على أمنها الداخلي بسرعة.
ثم هناك طبقة من التصريحات"المعيارية"القادمة من منظمات وحملات دولية.ذكرت وكالة Associated Press انتقادات من جهات مثل الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية(ICAN)التي وصفت قصف منشآت نووية بأنه خطوة غير مسؤولة ترفع مخاطر التصعيد.أهمية هذا الصوت أنه يفتح زاوية مختلفة:ليس فقط شرعية الحرب، بل"سلامة البنية النووية"وخطر الحوادث، وهو ملف غالبا ما يغيب عن الخطابات الرسمية للدول عندما تشتد المواجهة.
إذا جمعنا هذه المواقف، نرى أن"المجتمع الدولي"لم يتحدث بصوت واحد، لكنه تكلم ضمن أنماط واضحة:أوروبا الغربية ركزت على وقف ضربات إيران الإقليمية والدفع للمفاوضات مع التأكيد على عدم مشاركتها في الضربات؛ الأمم المتحدة ركزت على ضبط النفس والكلفة الإنسانية؛ روسيا ذهبت إلى توصيف قانوني شديد ضد الضربات وتفعيل مجلس الأمن؛ ودول أخرى توزعت بين دعم هدف"منع إيران نوويا"وبين الدعوة لوقف الحرب واحترام القانون الدولي.واللافت أن معظم التصريحات—على اختلافها—تتقاطع في نقطة واحدة:الخوف من اتساع المواجهة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، بما يتجاوز القدرة على التحكم السياسي في مسارها.

التعليقات