في كل بيئة عمل، وفي كل عائلة، وفي كل دائرة اجتماعية تقريبًا، يتكرر الشعور ذاته:لماذا يبدو الآخرون غير منطقيين إلى هذا الحد؟ لماذا يتخذون قرارات لا نفهمها، ويتصرفون بطرق تثير استغرابنا أو إحباطنا؟ كتاب"محاط بالحمقى"لتوماس إريكسون ينطلق من هذا السؤال الاستفزازي ليقلبه رأسًا على عقب.فالمشكلة، كما يقترح، ليست في ذكاء الآخرين أو نقصه، بل في اختلاف أنماط تفكيرهم وسلوكهم عنا.نحن لا نُحاط بالحمقى، بل نُحاط بأنماط مختلفة من البشر، لكل نمط منطقه الخاص وطريقته في تفسير العالم.
يعتمد إريكسون على نموذج سلوكي بسيط يقسم الناس إلى أربعة أنماط رئيسية، يمثل كل منها لونًا مختلفًا، ليشرح كيف ينشأ سوء الفهم في التواصل، ولماذا تتصادم الشخصيات في العمل والعلاقات.الفكرة المركزية في الكتاب ليست تصنيف الناس بقدر ما هي تدريب القارئ على تعديل أسلوبه ليتناسب مع من يتحدث إليهم.من خلال هذا الإطار، يتحول الاختلاف من مصدر توتر إلى مصدر فهم، ومن عائق في العلاقات إلى أداة لتعزيزها.إنها دعوة لإعادة النظر في افتراضاتنا حول"الطبيعي"و"المنطقي"، وفهم أن التنوع السلوكي ليس خللاً، بل حقيقة إنسانية أساسية.
يُعد كتاب"محاط بالحمقى"لتوماس إريكسون محاولة شعبية جريئة لإعادة تفسير سوء الفهم الإنساني عبر نموذج سلوكي مبسط يقوم على تصنيف الناس إلى أربعة أنماط لونية.العنوان الاستفزازي لا يقصد حرفيًا أن الآخرين حمقى، بل يعكس الشعور الشائع الذي ينتابنا حين نصطدم بأنماط تفكير وسلوك لا تشبهنا.ينطلق إريكسون من فرضية بسيطة ولكنها فعالة:معظم المشكلات في العلاقات والعمل لا تنبع من سوء نية، بل من اختلاف في أنماط التواصل وتفسير السلوك.نحن نميل إلى افتراض أن طريقتنا في التفكير والتصرف هي"الطبيعية"، وأن من يخالفها إما غير منطقي أو مبالغ أو بطيء أو عدواني.من هنا يحاول الكاتب تفكيك هذا الوهم عبر تقديم إطار يمكن من خلاله فهم هذه الاختلافات بدلًا من شيطنتها.
يعتمد إريكسون على نموذج DISC، وهو إطار قديم نسبيًا في علم النفس التطبيقي، يقسم السلوك إلى أربعة أنماط رئيسية:الأحمر الذي يرمز إلى الحزم والهيمنة والسرعة في اتخاذ القرار، الأصفر الذي يمثل الحيوية والتواصل والاندفاع العاطفي، الأخضر الذي يعبر عن الاستقرار والهدوء والرغبة في الانسجام، والأزرق الذي يرمز إلى التحليل والدقة والتركيز على التفاصيل.الفكرة الجوهرية ليست أن الناس ينتمون إلى لون واحد بشكل مطلق، بل أن لديهم ميولًا سلوكية يغلب عليها نمط معين، وأن هذه الميول تؤثر في طريقة تلقيهم للمعلومات، استجابتهم للضغط، وطريقتهم في التواصل مع الآخرين.بذلك يصبح"الاختلاف"قابلًا للفهم، لأن ما يراه الأحمر تباطؤًا غير مبرر قد يراه الأزرق حرصًا على الدقة، وما يراه الأزرق تهورًا قد يراه الأحمر حسمًا مطلوبًا.
يوظف إريكسون أمثلة حياتية كثيرة ليُظهر كيف ينشأ سوء الفهم بين هذه الأنماط.الشخص الأحمر قد يتحدث بوضوح مباشر وصوت حازم، فيُفسر سلوكه من قبل الأخضر على أنه قسوة أو قلة تعاطف، بينما هو في نظر نفسه شخص عملي يريد الوصول إلى النتيجة بسرعة.الأصفر قد يقفز بين الأفكار ويتحدث بحماس ويعد بأشياء كثيرة، فيراه الأزرق فوضويًا وغير منظم، بينما يراه الأحمر شخصًا محفزًا ومصدر طاقة للفريق.الأخضر قد يفضّل التريث وتجنب الصدام، فيعتبره الأحمر مترددًا، ويعتبره الأصفر غير متفاعل بما يكفي، بينما يرى الأزرق فيه عنصر استقرار.الأزرق بدوره قد يطلب مزيدًا من البيانات والتحقق قبل اتخاذ القرار، فيراه الأحمر معرقلًا للتقدم، بينما يراه الأخضر مطمئنًا لأنه لا يتسرع.هذا التباين في الإدراك هو ما يجعل الناس يشعرون أحيانًا بأنهم"محاطون بالحمقى"، بينما الحقيقة أن كل طرف يتحرك من منطلق مختلف.
يركز الكتاب بشدة على فكرة أن التواصل الفعّال لا يقوم على أن يتحدث المرء بطريقته المفضلة، بل على أن يتحدث بطريقة يفهمها الطرف الآخر.هذه النقطة تمثل التحول المفاهيمي الأساسي في الكتاب.بدلًا من مطالبة الآخرين بالتكيف معنا، يدعونا إريكسون إلى أن نكون نحن أكثر مرونة.فإذا كنت تتعامل مع شخص أزرق، عليك أن تقدم له معلومات دقيقة، وتجنب المبالغات، وتمنحه وقتًا للتفكير.وإذا كنت تتحدث مع شخص أحمر، فاختصر، وكن مباشرًا، وركز على النتائج لا التفاصيل.مع الأصفر، استخدم لغة حماسية وامنحه مساحة للتعبير، ومع الأخضر، احرص على الهدوء والطمأنينة وتجنب المواجهة الحادة.هذا التكيف لا يعني التخلي عن الذات، بل يعني إدراك أن الفعالية في التواصل تعتمد على المتلقي بقدر ما تعتمد على المرسل.
من زاوية تحليلية أعمق، يمكن القول إن الكتاب يعكس توجهًا براغماتيًا في فهم الشخصية.فهو لا يسعى إلى بناء نظرية نفسية شاملة حول تكوين الشخصية، ولا يغوص في التعقيدات العصبية أو الوراثية، بل يقدم أداة عملية قابلة للاستخدام اليومي.هذا التبسيط هو سر جاذبيته وسبب انتشاره الواسع، لكنه في الوقت نفسه مصدر نقده.فالتقسيم إلى أربعة ألوان قد يُغري القارئ بوضع الناس في قوالب جامدة، وهو ما قد يؤدي إلى نوع من التنميط أو الاختزال.البشر أكثر تعقيدًا من أن يُختصروا في لون واحد، وسلوك الفرد قد يتغير بحسب السياق والثقافة والمرحلة العمرية والخبرة.ومع ذلك، يرى إريكسون أن الهدف ليس وضع ملصقات على الناس، بل استخدام النموذج كبوصلة تقريبية لفهم الاتجاهات العامة في السلوك.
أحد الأبعاد المهمة في الكتاب هو تركيزه على بيئة العمل.إريكسون يبين كيف أن الكثير من النزاعات المهنية تنشأ بسبب اختلاف الأساليب لا بسبب ضعف الكفاءة.المدير الأحمر قد يرى في الموظف الأخضر شخصًا غير مبادر، بينما قد يكون هذا الموظف في الحقيقة يسعى إلى تجنب الخطأ وإرضاء الجميع.الفريق الذي يهيمن عليه الأصفر قد يزدهر في العصف الذهني لكنه يفشل في التنفيذ إذا لم يكن هناك عنصر أزرق ينظم العملية.من هذا المنظور، التنوع السلوكي يصبح مصدر قوة إذا أُدير بشكل صحيح، ومصدر توتر إذا لم يُفهم.النموذج يساعد القادة على توزيع المهام بشكل يتناسب مع ميول الأفراد، مما يزيد من الرضا والإنتاجية.
على المستوى الشخصي، يدعو الكتاب إلى نوع من الوعي الذاتي.قبل أن تحاول فهم الآخرين، عليك أن تفهم نفسك.ما هو لونك الغالب؟ كيف تؤثر ميولك في تفسيرك لسلوك الآخرين؟ هل تميل إلى التسرع؟ إلى التحليل المفرط؟ إلى تجنب الصدام؟ إلى البحث عن الإعجاب؟ هذا التأمل الذاتي يفتح الباب لتعديل السلوك بدلًا من الاكتفاء بلوم الآخرين.في هذا السياق، يمكن اعتبار الكتاب تمرينًا في التعاطف المعرفي، أي القدرة على رؤية العالم من منظور مختلف دون بالضرورة الاتفاق معه.
يكمن جانب مهم من قوة الكتاب في أسلوبه السردي.إريكسون يكتب بلغة مباشرة، مليئة بالقصص والمواقف اليومية، ما يجعل الأفكار النظرية قابلة للتصور.هذا الأسلوب يجعل القارئ يرى نفسه والآخرين في الأمثلة المطروحة، فيتحول المفهوم من مجرد تصنيف إلى تجربة شخصية.العنوان الصادم يخدم غرضًا تسويقيًا، لكنه في العمق يحاول إحداث صدمة إدراكية:ربما المشكلة ليست في"حمق"الآخرين، بل في ضيق أفقنا في فهم اختلافهم.
من زاوية فلسفية، يمكن قراءة الكتاب كدعوة إلى نسبية سلوكية.ما نعتبره صوابًا في التواصل ليس معيارًا عالميًا، بل هو انعكاس لتفضيلاتنا الشخصية.الاعتراف بهذه النسبية يخفف من النزعة إلى إطلاق الأحكام المطلقة.في عالم متعدد الثقافات والأنماط، يصبح فهم الاختلاف مهارة أساسية للبقاء والنجاح.النموذج اللوني، رغم بساطته، يذكرنا بأن البشر لا يتشابهون في طريقة معالجة المعلومات أو التعبير عن المشاعر أو اتخاذ القرار.
في نهاية المطاف، يقدم"محاط بالحمقى"أداة عملية لفهم الاختلافات السلوكية، أكثر مما يقدم نظرية علمية متكاملة عن الشخصية.قوته تكمن في بساطته وقابليته للتطبيق، وضعفه يكمن في احتمالية اختزاله للتعقيد الإنساني.لكنه ينجح في تحقيق هدفه الأساسي:تحويل الانزعاج من الآخرين إلى فضول لفهمهم، وتحويل سوء الفهم إلى فرصة للتكيف.بدل أن نشعر بأننا محاطون بالحمقى، قد نكتشف أننا محاطون بأنماط مختلفة، لكل منها منطقها الداخلي، وأن الفهم المتبادل ليس مستحيلاً، بل يتطلب فقط وعيًا أكبر ومرونة أوسع.
لتحميل الكتاب ومشاهد الفيديو يرجى التمرير للأسفل

التعليقات