هناك طوابير لا تحتاج لافتة كي نعرفها: طابور القهوة في الصباح، طابور الخبز عند الظهيرة، انتظار المصعد في نهاية يوم طويل. هذه لحظات قصيرة جدا، لكنها تتكرر حتى تتحول الى “زمن موازي” يعيش داخل يومنا. في هذه المساحات الصغيرة يتكشف شيء كبير: علاقتنا بالوقت، وبالذات، وبالآخرين. اللقطة تكاد تكون ثابتة في كل مكان: هاتف في يد، عين تنظر ولا تنظر، وذهن شارد بين شاشة مضيئة وداخل صامت.
الانتظار كان قديما فراغا مكشوفا، يضعك وجها لوجه امام نفسك. اليوم صار الفراغ مخيفا، لاننا نعيش في ثقافة السرعة: كل شيء ينبغي ان يحدث الآن، وكل توقف يبدو كخطأ في النظام. لذلك حين يفرض الواقع علينا التوقف لثوان او دقائق، يتحرك داخلنا شعور غير مريح: اننا خارج الايقاع، او اننا “نضيع وقتا”. هنا يتدخل الهاتف كحارس للزمن. لا يملأ الوقت فقط، بل يمنحنا شعورا اننا نستعيد السيطرة: نقرأ اشعارا، نفتح قصصا، نمرر شاشة بلا هدف. كأننا لا نحتمل دقيقة بلا مثير، فنستبدل الانتظار بالهروب.
لكن الطابور ليس مجرد مكان للهروب؛ يمكن ان يكون مكانا للتفكير ايضا، وربما لهذا نلجأ للهاتف: كي لا نفكر. الانتظار يخلق فجوة صغيرة بين المهام، وهذه الفجوة قد تسمح للعقل ان يلتقط نفسه: ماذا اشعر؟ لماذا انا متوتر؟ ما الذي يؤجلني؟ ما الذي يزعجني؟ احيانا تخرج في هذه اللحظة فكرة كانت مختبئة، او قرار كان مؤجلا، او تذكّر بسيط يعيد ترتيب الاولويات. لذلك يصبح الهاتف اداة مزدوجة: وسيلة تواصل في الظاهر، لكنه في العمق قد يعمل كستار يمنع ظهور الاسئلة الثقيلة.
الطوابير الصغيرة ايضا مساحة اجتماعية دقيقة. انت تقف مع آخرين لا تعرفهم، لكنكم تشتركون في “زمن معلّق”. هذا الزمن قد ينتج تضامنا خفيفا: نظرة مشتركة عند التأخر، ابتسامة عند موقف طريف، جملة قصيرة تكسر الجدية. وفي الوقت نفسه قد ينتج انسحابا: سماعات، شاشة، تجنب للعين، كأن الوجود بجانب الناس لا يعني الرغبة في تواصل. هنا يظهر تناقض المدينة الحديثة: كثافة بشرية عالية، لكن تواصل منخفض، وحماية للحدود الشخصية عبر الانشغال.
من زاوية نفسية، يصبح الانتظار “ملاذا” لانه واحد من الاماكن القليلة التي يسمح فيها المجتمع بالتوقف دون شعور بالذنب. لا احد يتهمك بالكسل وانت تنتظر القهوة. لذلك يستغل كثيرون هذه الدقائق كاستراحة قصيرة من الضغط، لكنهم لا يعرفون كيف يستريحون فعلا، فيستبدلون الراحة بالتمرير. وهذا يفسر لماذا قد يخرج الشخص من طابور قصير وهو اكثر ارهاقا: لانه لم يهدأ، بل غيّر نوع الاستثارة فقط. الانتظار كان يمكن ان يكون صمتا يستعيد الانتباه، لكنه صار ضجيجا مصغرا.
في النهاية، الطوابير الصغيرة ليست تفاصيل هامشية، بل مرآة لزمن يخاف الفراغ ويحتاجه. هي اختبار يومي: هل نسمح للحظة ان تكون لحظة، ام نحولها الى مادة استهلاك؟ حين نرفع نظرنا عن الهاتف لثوان، نكتشف ان الذهن الشارد ليس مشكلة دائما، بل طريقة العقل لالتقاط نفسه. وربما هنا تكمن قيمة الانتظار: انه لا يمنحنا وقتا اضافيا، بل يمنحنا فرصة نادرة لنرى كيف نعيش الوقت اصلا.

التعليقات