هل فعلا فرنسا على حافة شلل حكومي في 2026؟

حين تفشل الدولة في اقرار ميزانيتها، لا تتعطل الارقام فقط… بل تتعطل الشرعية.

هل فعلا فرنسا على حافة شلل حكومي في 2026؟

المقدمة
تبدو ازمة ميزانية 2026 في فرنسا، للوهلة الاولى، شانا ماليا تقنيا يدور حول العجز والضرائب وحدود الانفاق.هنا تتقدم صورة مقاربة لـ"شلل حكومي"بوصفها علامة على انسداد سياسي في قلب الاتحاد الاوروبي، لا مجرد تعثر في وثيقة ميزانية.هذا بالضبط ما دفع باريس الى اللجوء الى"قانون مالي خاص/تشريع طارئ"لضمان استمرارية الدولة مع دخول 2026 دون ميزانية كاملة، عبر تمديد الانفاق والجباية والقدرة على الاقتراض بصورة مؤقتة، لتفادي اغلاق على طريقة"الشلل"الذي تعرفه انظمة اخرى عند تعطل التمويل(Associated Press,2025;Reuters,2025a).

من هنا تتحدد اطروحة الورقة:ازمة ميزانية 2026 ليست خلافا على ارقام فقط، بل ازمة مزدوجة تجمع اقتصادا يريد اشارات استقرار، وسياسة عاجزة عن انتاج تفويض مستقر لقرارات غير شعبية.وتزداد حساسية المسالة لان فرنسا ليست دولة هامشية داخل اوروبا، بل ركيزة مالية وسياسية وامنية، واي ارتباك في قدرتها على الحكم ينعكس على ثقة الاسواق، وعلى مناخ منطقة اليورو، وعلى قابلية الاتحاد الاوروبي للفعل الجماعي تحت ضغط ازمات متزامنة(Le Monde,2025a;Financial Times,2025a).وعليه، تسال هذه الورقة:كيف تتحول ازمة ميزانية داخلية في فرنسا الى اختبار للاستقرار السياسي الاوروبي، وما تداعيات ذلك اقتصاديا وامنيا؟

المحور الاول:من ازمة ارقام الى ازمة حكم…كيف تتحول ميزانية 2026 الى"اختبار شرعية"داخل جمهورية منقسمة؟
الحدث"الساخن"الذي يفتح باب التحليل هو انهيار مسار التفاوض على ميزانية 2026 ثم القفز، تحت ضغط الوقت، الى قانون طارئ يضمن تشغيل الدولة دون ميزانية مكتملة.جوهر هذا التحول ليس انفاقا اضافيا بقدر ما هو اعتراف ضمني بان الاغلبية السياسية اللازمة لشرعنة خيارات مالية حادة غير متوفرة.ففي اواخر ديسمبر 2025، مرر البرلمان الفرنسي قانونا طارئا لتفادي اغلاق حكومي مع نهاية السنة بعد فشل التوافق على ميزانية 2026، في خطوة تقدم كـ"حل مؤقت"لكنها تكشف هشاشة القدرة على الحكم في ظل انقسام حاد بين كتل متواجهة(Associated Press,2025).وفي قراءة رويترز، يكتسب هذا القانون معنى اوسع:فهو يمدد انفاق 2025 مؤقتا، ويضمن استمرار الجباية واصدار الدين، اي انه يمنع توقف الادارة، لكنه لا ينتج سياسة عامة جديدة ولا يفتح افقا اصلاحيا؛ بل يجمد الخيارات ويجعل الاستثمار والبرامج الجديدة رهينة تسوية لم تنضج بعد(Reuters,2025b).

هنا تظهر"مفارقة الشرعية":القانون الطارئ يمنع الانهيار الاداري، لكنه يضع الدولة في وضع"العمل بلا تفويض ميزانياتي كامل".اي ان فرنسا تستطيع دفع الرواتب وتشغيل الخدمات، لكنها لا تستطيع اتخاذ قرارات مالية كبرى بالمنطق المعتاد، ولا تمرير اصلاحات اعادة هيكلة الانفاق او الضرائب بسهولة.صحيفة لوموند وصفت اللجوء الى"قانون خاص"بوصفه"رقعة"لتفادي الشلل، مع نقاش واسع حول كلفته السياسية:الاستمرارية موجودة، لكن الازمة لا تنتهي، بل تنتقل الى مطلع 2026 ضمن بيئة اكثر تسييسا واكثر توترا(Le Monde,2025a;Le Monde,2025b).ويتعاظم البعد الرمزي حين نعلم ان القانون الخاص نفسه بات، في مخيال الجمهور، دليلا على ان النظام التمثيلي يعجز عن وظيفته الابسط:تمرير ميزانية.وفي انظمة ديموقراطية حديثة، الميزانية ليست مجرد"حسابات"، بل فعل سيادة يومي يترجم اولويات المجتمع.حين يتعطل هذا الفعل، تتوسع مساحة السؤال:هل المشكلة في"من يدفع"(ضرائب/اقتطاعات)، ام في"من يملك حق فرض الالم"سياسيا؟

السبب البنيوي للازمة، كما تلتقطه تغطيات متعددة، يتمثل في برلمان مجزا وحكومة اقلية ومسار تشريعي تصادمي يجعل من قانون المالية"ساحة ثقة"لا وثيقة تقنية.رويترز لفتت الى ان معارك الميزانية اطاحت عدة حكومات منذ فقدان الرئيس اغلبيته في انتخابات 2024، بما يعني ان ازمة ميزانية 2026 ليست حادثا عابرا بل امتدادا لازمة حكم مستمرة تتغذى من الاستقطاب ومن هشاشة التحالفات داخل الجمعية الوطنية(Reuters,2025a).هذا يعيد تعريف وظيفة الميزانية:لم تعد فقط اداة توزيع موارد، بل اداة اختبار لمدى قابلية النظام لفرض خيارات غير شعبية في سياق دولة رفاه مرتفعة الكلفة.وهنا تصبح الشرعية جوهر الصراع:دولة رفاه واسعة تحتاج تمويلا، بينما القبول الاجتماعي"بفرض الالم"يتراجع، والاحزاب تستثمر في رفض الكلفة بدل توزيعها.

والاهم ان ازمة الشرعية لا تعني فقط ان الحكومة لا تملك اصواتا كافية، بل تعني ان اي خيار مالي، حتى لو كان"صحيحا"اقتصاديا، يفتقر الى الغطاء السياسي والاجتماعي الذي يمنحه الاستدامة.لذلك يحضر سؤال العقد الاجتماعي بقوة:كيف يمكن الحفاظ على نموذج انفاق اجتماعي مرتفع في اقتصاد نموه محدود، بينما شرعية الاصلاح تتاكل؟ وكيف يمكن للحكومة ان تقنع مجتمعها بضرورة ضبط العجز دون ان تبدو كمن يفكك"وعد الحماية"الذي قامت عليه دولة الرفاه؟ هذا التوتر يفسر لماذا يتحول كل بند في الميزانية الى معركة رمزية:ليس فقط كم ينفق، بل من يخسر اولا ومن يربح، ومن يقرر ذلك.والخلاصة التي تقود هذا المحور الى سؤاله الختامي هي:عندما تصبح الميزانية معركة هوية ومعنى، هل يبقى ممكنا تمرير اصلاحات قاسية دون ان تتاكل شرعية النظام نفسه؟

المحور الثاني:الاسواق تترجم السياسة فورا…لماذا يجعل التعثر الميزانياتي فرنسا نقطة توتر مالي داخل منطقة اليورو؟
اذا كانت السياسة تعيش على الزمن البطيء للتفاوض، فان الاسواق تعيش على الزمن الفوري للثقة.لهذا، يصبح التعثر الميزانياتي في فرنسا حدثا ماليا مباشرا، لا مجرد سجال برلماني.رويترز تحدثت عن تدقيق المستثمرين ووكالات التصنيف في المالية الفرنسية بالتوازي مع ازمة الميزانية، وعن قلق من عجز مرتفع يضع باريس تحت ضغط مستمر لاقناع السوق بانها قادرة على انتاج مسار ضبط مقنع(Reuters,2025b).وفي مقاربة اخرى، تلتقط فايننشال تايمز كيف تحولت فرنسا، خلال 2025، الى مصدر قلق نسبي في سوق السندات الاوروبية مقارنة بجنوب اوروبا الذي بدا انه"يهز"صورة الهشاشة القديمة، مع ارتفاع حساسية المستثمرين تجاه فرنسا بسبب عدم اليقين السياسي والاتجاهات المالية(Financial Times,2025b;Financial Times,2025c).

لفهم عمق هذا التحول، يكفي وضعه داخل الاطار الاوروبي الرسمي:فرنسا تخضع لاجراء العجز المفرط(EDP)الذي اطلقه مجلس الاتحاد الاوروبي في يوليو 2024 بعد عجز 2023، ثم صدرت توصيات في يناير 2025 بمسار تصحيحي يمتد حتى 2029 ويقيد نمو"الانفاق الصافي"عبر حدود سنوية، بينها سقف 1.2%لعام 2026(Council of the European Union,2024;Council of the European Union,2025).هذا يعني ان باريس لا تفاوض فقط احزابها، بل تفاوض ايضا سقفا اوروبيا جديدا في ظل قواعد مالية محدثة.وحين تعجز الحكومة عن تمرير ميزانية 2026 في موعدها، فان الرسالة التي قد يلتقطها المستثمر ليست"الارقام ستتعدل لاحقا"بل"الالية السياسية لتعهدات الضبط غير موثوقة".وهنا يعاقب السوق الغموض قبل الارقام:لان العجز يمكن تمويله اذا بقيت الثقة، لكن الثقة تتطلب سردية سياسية قابلة للتصديق، اي قدرة حكومية على انتاج قرارات ثم الدفاع عنها ثم تنفيذها.

قانون الطوارئ المالي الذي يمنع الشلل قد يهدئ لحظة الخوف من اغلاق حكومي، لكنه لا يحل مشكلة"التوقعات":ماذا بعد؟ لوموند اشارت الى ان اللجوء الى القانون الخاص قد يحمل كلفة مالية وسياسية، لان غياب ميزانية جديدة يعني ايضا غياب ادوات اصلاح او ادوات جباية جديدة قد كانت جزءا من النقاش، ما قد يدفع العجز الى مسار اقل انضباطا مما هو مرغوب، وهو تحذير مكرر ايضا في نقاشات مؤسساتية فرنسية بحسب تغطيات ديسمبر 2025(Le Monde,2025b;Le Monde,2025c).وفي التغطية الاخبارية، ظهر تحذير من ان"الحلول المؤقتة"اذا طالت تتحول الى عامل عدم يقين اقتصادي، لانها تجمد قرارات الاستثمار العام وتضعف قدرة الدولة على ادارة التحولات الصناعية والطاقية.وتضيف فايننشال تايمز بعدا اخر:فشل تمرير ميزانية 2026 يوقف عمليا بعض خطط الانفاق الجديدة، بما فيها خطط دفاعية معلنة، ما يخلق"تجميدا"سياسيا يمكن ان يقرأه المستثمر بوصفه ارتباكا في التخطيط متوسط المدى(Financial Times,2025a).

ولان فرنسا داخل اليورو، فان توترها المالي لا يبقى محليا.فارتفاع علاوة المخاطر على السندات الفرنسية(اي الفرق عن السندات الالمانية عادة)لا ينعكس فقط على كلفة خدمة الدين الفرنسي، بل ينعكس ايضا على مناخ السوق في منطقة اليورو وعلى النقاش الاوروبي حول"الانضباط"و"التضامن".حينها تصبح فرنسا دولة مركزية تتصرف الاسواق معها احيانا كما لو كانت جزءا من"مشكلة الاطراف"، وهو ما لمح اليه تحليل فايننشال تايمز حول صعود كلفة الاقتراض الفرنسية مقابل تراجع فروق دول جنوب اوروبا(Financial Times,2025c).هذا التحول يحمل دلالة سياسية:اذا كانت فرنسا، بوصفها القلب السياسي التقليدي للمشروع الاوروبي، تصبح عرضة لشكوك المستثمرين، فان السردية الاوروبية عن الاستقرار المؤسسي تتعرض لضربة رمزية.

والنتيجة ان التعثر الميزانياتي يخلق حلقة ضغط متبادلة:السياسة المتعثرة ترفع كلفة عدم اليقين، وكلفة عدم اليقين تضيق خيارات السياسة(لان كل نقطة فائدة اضافية تجعل الضبط اصعب)، ما يزيد صعوبة تمرير اصلاحات، فيعود الانسداد السياسي اقوى.من هنا يصبح سؤال هذا المحور:هل ازمة فرنسا مجرد حادث ميزانياتي موسمي، ام بروفة لاوروبا تعيش ازمات شرعية متزامنة مع قيود مالية صارمة؟

المحور الثالث:من باريس الى اوروبا…كيف تترجم الازمة المالية الى ازمة"قابلية فعل"اوروبية امنيا وسياسيا؟
في العادة، تفصل التحليلات بين السياسة الداخلية والدور الخارجي، لكن ازمة ميزانية 2026 تكشف كيف يضغط الداخل على"قابلية الفعل"الاوروبي.فرنسا دولة نووية وعضو دائم في مجلس الامن، ولها ثقل حاسم في ملفات الدفاع الاوروبي، واي ازمة شرعية داخلية تعني ان هامش المبادرة الخارجية قد ينكمش لصالح ادارة الازمة داخل البرلمان والشارع، وهو ما ينعكس على قدرة الاتحاد الاوروبي على التحرك السريع في بيئة امنية مضطربة(Financial Times,2025a).حين تتجمد الميزانية، تتجمد معها اولويات سياسية او تتاخر، ويصبح كل قرار خارجي كبير محكوما بحسابات الداخل:هل يملك صانع القرار القدرة على تمويل تعهداته؟ وهل يملك شرعية سياسية تمكنه من الالتزام؟

على مستوى اخر، تتحول اوروبا نفسها الى"تجربة ثقة"في عيون الرأي العام:اذا احتاجت دولة مركزية مثل فرنسا الى قوانين طوارئ مالية لتسيير الدولة، فماذا يعني ذلك لصورة الديموقراطية التمثيلية في اوروبا؟ لوموند ربطت نقاش"القانون الخاص"بسؤال المنهج السياسي والقدرة على بناء توافقات، بما يفتح الباب امام تيارات شعبوية لتغذية سردية مفادها ان"النخب عاجزة حتى عن تمرير ميزانية"(Le Monde,2025b).هذا لا يعني ان القانون الطارئ غير شرعي قانونيا؛ بل يعني ان تكرار ادوات الاستثناء، حتى عندما تكون دستورية، قد يوسع شعورا اجتماعيا بان النظام يعمل بالحد الادنى، ويؤجل القرارات بدلا من اتخاذها.ومع كل تاخير، يزداد خطر ان تتحول الموازنة من"اداة حكم"الى"ازمة حكم"متجددة، تضعف القدرة الاوروبية على تقديم نفسها كفضاء استقرار مؤسساتي مقارنة ببيئات دولية اخرى.

الخاتمة
تجمع ازمة ميزانية 2026 في فرنسا بين ثلاثة خيوط لا تعمل منفصلة بل كحلقة ضغط متبادلة:اولا، الميزانية تحولت من ازمة حسابية الى ازمة حكم وشرعية، لان النظام السياسي لم يعد قادرا بسهولة على انتاج تفويض مستقر لقرارات مكلفة، فاضطر الى قانون مالي خاص يضمن الاستمرارية لكنه يجمد السياسة العامة.ثانيا، رد فعل الاسواق يعاقب الغموض السياسي قبل الارقام، لان المستثمر يريد مسارا قابلا للتنفيذ لا مجرد وعود؛ ومع خضوع فرنسا لاجراء العجز المفرط ومسار انفاق مقيد اوروبيا، يصبح كل تعثر داخلي مضاعفا في اثره على الثقة.ثالثا، انتقال الازمة من الداخل الفرنسي الى المجال الاوروبي يطال الاقتصاد والامن معا:تجميد القرارات المالية الكبرى يضغط على خطط الاستثمار والدفاع ويضعف قابلية الفعل، بينما يغذي داخليا صراعا حول معنى التمثيل والقدرة على الحكم، وخارجيا يرسل اشارات هشاشة في قلب الاتحاد(Financial Times,2025a;Le Monde,2025c).

واذا كان قانون الطوارئ المالي"ينقذ"الدولة من الشلل، فهو لا ينهي المعضلة المركزية:كيف تستعيد فرنسا القدرة على انتاج ميزانية بوصفها تعاقدا اجتماعيا لا مجرد ارقام؟ وكيف يمكن لاوروبا ان تدير في الوقت نفسه قيودا مالية صارمة وازمات شرعية متصاعدة دون ان تصبح"سياسة الاستثناء"هي القاعدة؟ في النهاية، لا يقتصر سؤال الورقة على فرنسا وحدها، بل يطال اوروبا كمنظومة:هل نشهد ازمة موسمية ستعالج بتوافق لاحق، ام ان تزامن قيود المال مع انقسام السياسة يشير الى طور جديد تتكرر فيه ازمات الشرعية داخل دول مركزية، بما يعيد رسم علاقة المواطن بالدولة، وعلاقة السوق بالديموقراطية؟

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
اوروبا بين ازمة ميزانية وازمة شرعية_ فرنسا على حافة _شلل حكومي_ في 2026.pdf
167.8 KB