الحديث اليومي عن الصحة النفسية صار جزءا من لغة الناس:عبارات مثل"انا منهك"،"عندي قلق"،"نفسيتي تعبانة"لم تعد همسا خاصا بل وصفا متداولا في المقاهي وداخل المجموعات وعلى المنصات.هذا التحول يحمل وجها ايجابيا واضحا:كسر بعض الوصمة، وتخفيف الشعور بالعزلة، وتطبيع فكرة ان الالم النفسي ليس ضعفا اخلاقيا.لكن المفارقة ان اتساع الوعي لا يعني بالضرورة اتساع الدعم.كثيرا ما يتحول الوعي الى طقس اجتماعي مكتمل الشكل لكنه ناقص المفعول:منشور متعاطف، تعليقات دافئة، رسائل"انا معك"، ثم يعود الواقع كما هو.هنا يظهر سؤال الورقة:ماذا يعني ان نمتلك لغة للصحة النفسية من دون ان نمتلك جسورا للعلاج؟ وكيف يصير الوعي، في بعض الحالات، بديلا مريحا عن الفعل؟
جزء من المشكلة ان"الوعي"في الثقافة الرقمية يعمل بسرعة اعلى من قدرة المؤسسات والاسر على الاستجابة.المنصات تجعل المشاعر مرئية، لكنها لا تجعل الخدمات متاحة.الشخص قد يتعلم اسم حالته من فيديو قصير، لكنه يصطدم حين يحاول التحرك بخريطة معقدة:كلفة جلسات مرتفعة، مواعيد بعيدة، نقص اختصاصيين، او خوف اجتماعي من ان يتحول طلب المساعدة الى"تهمة"او"ضعف".وهنا يحدث انزلاق نفسي شائع:بدلا من ان يكون الوعي خطوة اولى نحو دعم فعلي، يصبح الوعي نفسه مسكنا رمزيا.مشاركة منشور عن القلق تمنح لحظة اعتراف وارتياح، لكن من دون تغيير بيئة العمل، او تنظيم النوم، او طلب مساعدة مهنية، تبقى الاسباب تعمل في الخلفية.الوعي هنا لا يختفي، بل يتحول الى"تشخيص متكرر"يعيد انتاج العجز:انا اعرف ما اعانيه، لكنني لا املك طريقا واضحا لتغييره.
ثم هناك ثمن اخر:حين تنتشر مفردات الصحة النفسية خارج سياق العلاج، قد تتحول الى هوية ثابتة بدل كونها حالة قابلة للتعامل.الشخص يبدأ بتفسير كل شيء عبر القلق:العلاقات، الدراسة، القرارات، وحتى ايام التعب العادية.لا يعني هذا ان المعاناة غير حقيقية، بل يعني ان غياب الدعم يحوّل اللغة الى دائرة مغلقة:اصف ما اشعر به بدقة، لكنني لا امتلك ادوات لتعديل نمط حياتي او مهارات التكيف او خطة متابعة.وفي الوقت نفسه، قد يتشكل"اقتصاد تعاطف"على المنصات:المحتوى الذي يعرض الوجع يحصل على انتباه، بينما المحتوى الذي يقود الى خطوات عملية اقل جاذبية، لان العلاج بطبيعته بطيء وغير درامي.هكذا يصير التعاطف نوعا من الاستهلاك:نشاهد، نتاثر، نكتب قلبا، ثم ننتقل.والنتيجة ان بعض الناس يشعرون بانهم مرئيون عاطفيا لكنهم غير مدعومين فعليا.
الخروج من هذه المفارقة لا يحتاج ان نخفض الوعي، بل ان نعيد تعريفه:الوعي ليس تكرار مفردات، بل بناء مسار.اي ان يتحول الحديث اليومي الى بوابة لخطوات صغيرة قابلة للتنفيذ:تقييم ذاتي بسيط لعدة ايام(نوم، طاقة، توتر، محفزات)، طلب مساعدة موثوق من شخص قريب، معرفة خدمات متاحة، او تجربة تدخلات مدروسة مثل تنظيم الروتين وتقليل مصادر الاستنزاف، ثم—عند الحاجة—الوصول الى مختص.والاهم ان المجتمع يحتاج ان يعامل العلاج كحق عملي لا كترف:دعم مدرسي وجامعي، سياسات عمل تراعي الصحة النفسية، ومساحات امنة لطلب المساعدة دون وصم.عندها فقط يصبح"منشور متعاطف"بداية قصة، لا نهايتها.والسؤال الذي يبقى:هل نريد ثقافة تتقن وصف الالم…ام ثقافة تتقن ايضا مرافقة الناس خارج الالم؟

التعليقات