لم تكن جزيرة غرينلاند القطبية النائية يومًا في صدارة المشهد السياسي العالمي، لكنها تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى بؤرة اهتمام جيوسياسي ذات تأثير محتمل كالقنبلة الموقوتة.فعلى الرغم من موقعها المعزول وسكانها الذين لا يتجاوزون 57 ألف نسمة، أصبحت غرينلاند محور صراع غير مباشر بين قوى كبرى، وورقة حساسة في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة.تُمثّل الجزيرة اليوم مزيجًا فريدًا من الأهمية الاستراتيجية العسكرية والثراء بالموارد الطبيعية، مما جعل مسألة سيادتها واستغلالها موضوعًا ساخنًا على طاولات صُنّاع القرار.ويُطرح التساؤل:كيف يمكن لملف جغرافي بعيد كهذا أن يتحوّل إلى تهديد مباشر للعلاقات الأوروبية-الأميركية ولحسابات الردع الأمني في القطب الشمالي؟
أولا:قضية سيادة غرينلاند وصراع النفوذ الدولي
تتمتع غرينلاند بوضع سياسي فريد؛ فهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي الواسع ضمن مملكة الدنمارك.وعلى الرغم من أن للدنمارك السيادة الرسمية والدفاع عن الجزيرة، فإن لسكان غرينلاند حق تقرير المصير وقد صوّتوا سابقًا لصالح حكم ذاتي واسع، بل وخرجت الجزيرة من السوق الأوروبية المشتركة عام 1985 اعتراضًا على سياسات الصيد البحري الأوروبية.لطالما راود البعض حلم استقلال غرينلاند تمامًا في المستقبل، لكن الاعتماد الاقتصادي على دعم كوبنهاغن شكّل عائقًا أمام ذلك.غير أن ما كان شأنًا داخليًا دنماركيًا تحول إلى ساحة منافسة بين القوى الكبرى في الأعوام الأخيرة، ما جعل قضية سيادة غرينلاند قنبلة جيوسياسية موقوتة.فقد أبدت الولايات المتحدة اهتمامًا غير مسبوق بالجزيرة، بدءًا من عرضٍ تاريخي لشرائها بعد الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب فكرة شراء غرينلاند علنًا في عام 2019(CNN,2019؛ The Guardian,2019).قوبل ذلك الطرح برفض واستنكار دنماركي وأوروبي واسع آنذاك، حيث أكدت رئيسة وزراء الدنمارك أن الجزيرة ليست للبيع(Frederiksen,2019).اعتُبر الأمر في البداية مجرد واقعة غريبة أو نزوة سياسية، لكن سرعان ما تبيّن أنه مؤشر مبكر على ما ستؤول إليه أهمية غرينلاند الاستراتيجية.
بلغت التوترات حول سيادة غرينلاند ذروتها مع التطورات الأخيرة حتى مطلع 2026.فبعد إعادة انتخاب ترامب، عاد الخطاب الأميركي بقوة حول ضرورة حصول الولايات المتحدة على الجزيرة بحجة أهميتها للأمن القومي الأميركي(Wieslander,2026).بل إن ترامب ذهب أبعد من ذلك مصرّحًا:"أعتقد أننا سنحصل عليها"وملمحًا إلى أن سكان غرينلاند أنفسهم يرغبون بالانضمام إلى الولايات المتحدة(The Guardian,2025).هذه الادعاءات دحضتها الوقائع، حيث أظهر استطلاع رأي حديث أن 85%من الغرينلانديين يرفضون أن تصبح جزيرتهم جزءًا من الولايات المتحدة(وفقط 6%أيّدوا الفكرة)، مما يؤكد أن مطلب السيادة الوطنية متجذّر بعمق لدى أهل الجزيرة(Bryant&Rankin,2025).وعلى الرغم من ذلك، صعّد ترامب لهجته معتبرًا أن غرينلاند يجب أن تكون"في أيدي الولايات المتحدة"وأن أي وضع أقل من ذلك غير مقبول، بل وادعى صراحةً أنه لا يمكنه الاعتماد على الدنمارك في الدفاع عن الجزيرة.هذا الخطاب العدائي تجاه دولة حليفة والسيادة الدنماركية شكّل صدمة في أوروبا وأثار مخاوف جدية بشأن تماسك التحالف الغربي(Egmont Institute,2026).
جاء الرد الأوروبي حازمًا دفاعًا عن سيادة الدنمارك وغرينلاند.فقد حذّرت رئيسة وزراء الدنمارك صراحةً من أن أي محاولة أميركية لفرض الأمر الواقع عسكريًا في غرينلاند ستعني فعليًا نهاية حلف الناتو(Haesebrouck,2026).هذا التصريح غير المسبوق عكس مدى القلق الأوروبي من إمكانية انهيار أسس الثقة بين الحلفاء بسبب طموح يتعلق بإقليم بعيد(ECFR,2026).وبالتوازي، سارع القادة الأوروبيون إلى إظهار التضامن مع كوبنهاغن، فأصدروا بيانًا مشتركًا يرفض بشكل قاطع أي مساس أحادي بغرينلاند(European Council,2026).بل إن بعض الدول الأوروبية، وبطلب من الدنمارك، قامت بخطوات رمزية لتعزيز الوجود العسكري في غرينلاند.فوفق التقارير، أرسلت كل من فرنسا وألمانيا ودول اسكندنافية وحدات عسكرية صغيرة للمشاركة في مناورات بالجزيرة دعمًا للدنمارك وللتأكيد أن غرينلاند ليست وحدها.هذه التحركات، وإن كانت استعراضية، تبعث برسالة واضحة إلى واشنطن بأن أوروبا مستعدة للدفاع سياسيًا وربما عمليًا عن حليفها وسيادة أراضيه، حتى لو كان التهديد هذه المرة صادرًا من الشريك الأميركي نفسه(Wieslander,2026).
وفي خضم هذا التجاذب، كان صوت حكومة غرينلاند حاضرًا لتذكير الجميع بأن لسكان الجزيرة كلمة الفصل في مستقبلهم.أكدت وزيرة خارجية غرينلاند مؤخرًا أن بلادها تريد أن تكون"حليفة للولايات المتحدة لا تابعة لها"(Al Jazeera,2026).هذا التصريح يكشف رغبة الغرينلانديين في الشراكة الندية مع واشنطن بدل الخضوع لإملاءاتها أو التفريط بالسيادة.كما أنه يتناغم مع المزاج الشعبي الرافض بغالبيته للانضمام إلى أميركا، ما يعني أن أي تحرّك أميركي أحادي سيتجاهل إرادة السكان المحليين أنفسهم(Bryant&Rankin,2025).يُذكر أيضًا أن ثمة لاعبًا دوليًا آخر يزيد المشهد تعقيدًا، وهو الصين.فقد سعت بكين في السنوات الأخيرة إلى التغلغل اقتصاديًا في غرينلاند عبر عروض للاستثمار في مشاريع بنية تحتية ومناجم، ولا سيما في قطاع المعادن النادرة الذي تملكه غرينلاند بكميات ضخمة(Nathanielsen,2025؛ ECFR,2026).هذه التحركات الصينية أقلقت كلًا من الدنمارك والولايات المتحدة، ودفعتهما إلى التنسيق لإحباط بعض تلك المحاولات، حيث قدّمت كوبنهاغن تمويلًا بديلًا لمشاريع مطارات لمنع اعتماد غرينلاند على أموال صينية(ECFR,2026).إذ يخشى الغرب أن يؤدي انخراط الصين اقتصاديًا إلى نفوذ إستراتيجي لها في الجزيرة، الأمر الذي يهدد بنقل صراع النفوذ العالمي إلى تراب غرينلاند ذاته.هكذا تجد حكومة غرينلاند نفسها بين مطرقة الإغراءات الأميركية والصينية وسندان الحرص الأوروبي، في توازن دقيق للحفاظ على أكبر قدر من استقلالية القرار(Wieslander,2026).
باختصار، تحولت مسألة السيادة الغرينلاندية إلى ملف دولي شديد الحساسية.فالإقليم الذي كان يومًا مجرد شأن إسكندنافي داخلي، بات اختبارًا حقيقيًا لمبادئ احترام سيادة الدول داخل التحالفات الغربية.وإذا ما أسيء التعامل مع هذه القضية، فإن شرارة صغيرة في تلك الجزيرة النائية قد تشعل أزمة ثقة كبرى بين أوروبا وأميركا، مهددةً بتفجير أسس التحالف الأطلسي الذي قام تاريخيًا على الثقة والاحترام المتبادل لسيادة الأعضاء(Haesebrouck,2026؛ Wieslander,2026).
ثانيا:غرينلاند في حسابات حلف الناتو وأمن القطب الشمالي
لطالما شغلت غرينلاند موقعًا إستراتيجيًا في المنظومة الأمنية الأطلسية رغم بعدها الجغرافي.فمن منظور عسكري بحت، تشكل الجزيرة حصنًا متقدمًا للدفاع عن أميركا الشمالية وكذلك جناحًا شماليًا لأوروبا.خلال الحرب الباردة، أدركت الولايات المتحدة أهمية غرينلاند في مواجهة الاتحاد السوفيتي، فوقّعت عام 1951 اتفاقية دفاع مع الدنمارك تتيح للقوات الأميركية إقامة وجود عسكري واسع في الجزيرة(U.S.Department of State,1951).وبموجب تلك الاتفاقية تم إنشاء قاعدة ثول الجوية(تسمى الآن قاعدة بيتوفيك الفضائية)في أقصى شمال غرينلاند، والتي أصبحت إحدى أهم عقد الإنذار المبكر ضد أي هجوم صاروخي نووي سوفيتي.بالفعل، منذ ستينيات القرن الماضي شكّلت الرادارات العملاقة في غرينلاند ركيزة أساسية في شبكة الإنذار المبكر لحماية أميركا من الصواريخ الباليستية العابرة للقطب الشمالي(Defense News,2025).واستمر هذا الدور الحيوي للجزيرة حتى يومنا هذا، حيث لا تزال رادارات الإنذار في بيتوفيك عنصرًا محوريًا في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية.هذه الأهمية العسكرية جعلت من غرينلاند جزيرة لا غنى عنها في حسابات الردع النووي والتقليدي لحلف الناتو(NATO,2025).
علاوة على ذلك، تحتل غرينلاند موقعًا جغرافيًا استثنائيًا بين أميركا وأوروبا والمحيط المتجمد، مما يجعلها بمثابة بوابة إلى القطب الشمالي ومركز ثقل فيما يُعرف بـفجوة GIUK(وهي الفجوة البحرية بين غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة)(ECFR,2026).خلال الحرب الباردة، اعتُبرت تلك الفجوة خط الدفاع الأول لمنع غواصات الاتحاد السوفيتي النووية من الانطلاق من المحيط المتجمد إلى أعماق المحيط الأطلسي وتهديد خطوط الملاحة أو الأراضي الأميركية(Levine,2019).وكانت القواعد والمياه حول غرينلاند جزءًا أساسيًا من استراتيجية تعقب وإعاقة تلك الغواصات المعادية(NATO,2025).اليوم، ومع عودة التنافس مع روسيا، يبقى هذا الموقع بالغ الأهمية للبحرية الأطلسية.فروسيا عززت حضورها العسكري في القطب الشمالي خلال الأعوام الأخيرة، عبر إنشاء قواعد جديدة في أقصى الشمال وتحديث أسطولها من كاسحات الجليد والغواصات الاستراتيجية في بحر بارنتس(Conley&Rohloff,2024).وقد دفع هذا الأمر حلفاء الناتو إلى التأكيد مرارًا أن منطقة القطب الشمالي تشكل بعدًا جوهريًا في منظومة الردع والدفاع الأطلسية(NATO,2025).فعلى سبيل المثال، أكد مسؤولون في الناتو عام 2025 أن أمن المنطقة العالية الشمال ضروري للتجارة والاتصالات بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وأن تغير المناخ والتنافس الدولي المتصاعد–لاسيما مع تزايد الوجود العسكري الروسي–يفرضان على الحلف يقظة وتعاونًا أكبر في تلك الجبهة(NATO,2025).وبانضمام كل من فنلندا والسويد إلى عضوية الناتو حديثًا، أصبح سبعة من الدول الثماني المطلة على القطب الشمالي جزءًا من التحالف(باستثناء روسيا)، ما يضع عمليًا معظم الدائرة القطبية ضمن نطاق التنسيق الأمني الغربي(Haesebrouck,2026).
في ظل هذه المعطيات، يمكن فهم خطورة سيناريو انفجار الأزمة حول غرينلاند على تماسك وقدرات حلف الناتو.فالحلف الذي بني أساسًا على مبدأ الدفاع الجماعي(المادة 5)وافتراض أن أي اعتداء على أي عضو سيواجه برد الجميع، لم يضع في الحسبان احتمال أن يأتي التهديد من داخل صفوفه(Wieslander,2026).من هذا المنطلق جاء تحذير كوبنهاغن الصارم بأن إقدام واشنطن على محاولة الاستيلاء على غرينلاند بالقوة سيعني انهيار مصداقية الناتو تمامًا(Haesebrouck,2026).إذ كيف يمكن للحلف أن يستمر إذا ما قامت دولة قائدة فيه بانتهاك سيادة دولة حليفة أخرى؟ إن مجرد التفكير في هذا السيناريو يضرب المبادئ الجوهرية التي قام عليها الناتو.وقد عبّر محللون عن الأمر بوضوح قائلين إن إقدام الولايات المتحدة على خطوة عدائية كهذه سيكون بمثابة رصاصة رحمة تطلق على حلف الناتو من الداخل(Wieslander,2026).فذلك سيكسر أحد أهم أسس الحلف عبر تاريخه، وهو امتناع الأعضاء عن خوض أي نزاع عسكري فيما بينهم(ECFR,2026).صحيحٌ أن هذا السيناريو كارثي وغير مسبوق، لكن مجرد تصاعد التوتر الكلامي حوله ألقى بظلال من الشك والريبة بين ضفتي الأطلسي(Egmont Institute,2026).
على الجانب الأميركي، يُلاحظ أن وزارة الدفاع(البنتاغون)أعادت مؤخراً تنظيم مسؤوليات القيادة العسكرية المتعلقة بغرينلاند، حيث نُقلت تبعية عمليات الدفاع عن غرينلاند من القيادة الأوروبية الأمريكية إلى القيادة الشمالية لأميركا المكلفة بالأمن الداخلي الأميركي(U.S.Department of Defense,2025).هذه الخطوة التي تمّت في عام 2025 فُسِّرت على أنها إشارة سياسية بأن واشنطن تعتبر غرينلاند جزءًا من منظومة الدفاع عن الوطن الأميركي(Defense News,2025).وبقدر ما قد يكون لهذا القرار من منطق عسكري(نظراً لقرب غرينلاند جغرافيًا من أميركا الشمالية)، إلا أنه أثار حفيظة البعض في أوروبا ممن رأوا فيه محاولة أميركية ضمنية لتكريس غرينلاند كمنطقة نفوذ أميركي خاص وليست مجرد مسؤولية أطلسية مشتركة.ومما عزز هذه الشكوك تصريحات ترامب المتكررة حول الجزيرة ورفضه عروضًا دنماركية للتعاون الأمني الموسّع هناك، مما أوحى بأن واشنطن تحت قيادته غير مهتمة بالحلول التعاونية بل تسعى للسيطرة المباشرة(Wieslander,2026).
مجمل القول، إن غرينلاند أصبحت حجر زاوية في معادلة أمن القطب الشمالي.فإذا ظلت تحت مظلة الشراكة الدنماركية-الأميركية الوثيقة، فإن موقعها سيستمر في تعزيز قدرات الإنذار المبكر والردع الأطلسي ضد أي تهديد من جهة الشمال.أما إذا انفجرت الخلافات حولها، فإن ارتدادات ذلك ستزعزع آليات التعاون العسكري والاستخباري في منطقة حساسة، وقد تقوّض فعالية الردع الغربي بمجمله، وكما أكدت التطورات الأخيرة، قد تكون غرينلاند البعيدة هي الاختبار الأصعب لتماسك الناتو منذ عقود، وربما الأخطر في تاريخه إن خرج الوضع عن السيطرة.
ثالثا:غرينلاند والتجارة عبر الأطلسي:الموارد والممرات البحرية
لا يقتصر الاهتمام بغرينلاند على الجوانب العسكرية والسياسية فحسب، بل يتعداه إلى اعتبارات اقتصادية وتجارية عابرة للمحيطات.فهذه الجزيرة الشاسعة(أكبر جزيرة في العالم مساحةً)تزخر بثروات طبيعية هائلة ظلت مدفونة تحت الجليد لقرون.ومع تسارع وتيرة تغيّر المناخ وذوبان الجليد القطبي، انكشفت كثير من خيرات غرينلاند المعدنية والطاقية، كما بدأت تلوح في الأفق إمكانية مسارات بحرية جديدة عبر القطب الشمالي تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا وأميركا.هذه التطورات أضفت بعدًا اقتصاديًا وجيواستراتيجيًا إضافيًا على قضية غرينلاند، وجعلتها محط أنظار ليس الغرب وحده بل خصومه العالميين أيضًا(Conley&Rohloff,2024).
تُعد الموارد الطبيعية في غرينلاند بمثابة كنز جيواقتصادي.فبحسب التقارير الجيولوجية، تمتلك الجزيرة احتياطات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة(كالنيوديميوم والديسبروسيوم وغيرها)الضرورية للصناعات التقنية المتقدمة والأنظمة الدفاعية.كما تحتوي أراضيها على اليورانيوم بكميات كبيرة، فضلًا عن مكامن محتملة للنفط والغاز في الجرف القاري الشمالي.هذه الثروات لم تكن في الماضي القريب ذات جدوى اقتصادية لصعوبة استخراجها في بيئة قاسية ونائية.لكن مع انحسار الجليد بسبب الاحترار العالمي، بات الوصول إليها أسهل نسبيًا، ما فتح شهية الدول والشركات الكبرى.وقد وصف أحد المحللين المشهد قائلًا إن تراجع الجليد حول غرينلاند حوّلها من مجرد بقعة متجمدة إلى بوابة نحو"طرقات بحرية قابلة للملاحة وثروات طبيعية لم تُمسّ بعد"(ECFR,2026).
بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، تحمل موارد غرينلاند أهمية إستراتيجية خاصة في ظل التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي.فمن جهة، يسعى الطرفان إلى تقليل اعتمادهما على الصين في تأمين العناصر الأرضية النادرة والمعادن الإستراتيجية الضرورية لصناعات الإلكترونيات والطاقة النظيفة والتسليح.والصين تهيمن حاليًا على سلسلة توريد كثير من هذه المواد واستغلّت ذلك أوراقًا ضغط سياسية في الماضي.هنا تبرز غرينلاند كبديل جذاب؛ إذ يمكن لاحتياطاتها الضخمة من المعادن النادرة أن تسهم في تنويع مصادر الإمداد الغربية بعيدًا عن النفوذ الصيني.وقد أكد ترامب صراحةً هذا المنظور، إذ اعتبر السيطرة على موارد غرينلاند مسألة أمن اقتصادي وقومي، ورأى أن استحواذ الصين على معظم إنتاج المعادن النادرة يجعل من تأمين تلك الموارد أولوية للأمن القومي الأميركي(Wieslander,2026).من هذا المنطلق، تحوّل خطاب ترامب حول غرينلاند من وصفها سابقًا بأنها"صفقة عقارية"إلى التركيز على كونها سدًا استراتيجيًا لحماية سلاسل التوريد الأميركية(Haesebrouck,2026).
أما أوروبا، فلم تقف متفرجة في هذا المضمار.فالاتحاد الأوروبي أدرك أهمية إدماج غرينلاند في استراتيجيته للمواد الخام الحيوية.وبالفعل وقّع الاتحاد مذكرة تفاهم مع حكومة غرينلاند في عام 2023 لإقامة شراكة إستراتيجية في مجال المواد الخام(European Commission,2023).تهدف هذه الشراكة إلى تطوير سلاسل توريد مستدامة للمعادن من غرينلاند إلى أوروبا، بحيث تُنشأ مشاريع تعدين ومعالجة تساعد الصناعة الأوروبية وتعود بالفائدة الاقتصادية على سكان الجزيرة.وتطمح غرينلاند من جانبها للاستفادة من الدعم الأوروبي لتطوير قدراتها التعدينية بشكل مسؤول يتوافق مع المعايير البيئية العالية–وهو ما أكدت عليه وزيرة الأعمال وموارد المعادن في غرينلاند مشيرةً إلى أن المعايير البيئية الأوروبية الصارمة تتماشى مع طموحات غرينلاند في تنمية تعدين مستدام ومسؤول(Nathanielsen,2025).وإلى جانب الاتفاق السياسي، ظهرت بالفعل مشاريع واقعية تجسد هذا التعاون، مثل توقيع شركة تعدين كندية تعمل في غرينلاند اتفاقية طويلة الأمد عام 2025 لتوريد معدن الموليبدينوم إلى شركة أوروبية كبرى لصناعة الصلب(EIT RawMaterials,2025).هذه الصفقة وُصفت بأنها أكثر من مجرد عقد تجاري؛ بل إشارة إستراتيجية لدور غرينلاند المتنامي في دعم الاقتصاد الأوروبي وضمان موارده الحيوية(European Commission,2024).بكلمات أخرى، أصبحت غرينلاند حجرًا مهمًا في رسم خارطة الأمن الاقتصادي الأوروبي المستقبلي.
وخلاصة القول في هذا المحور إن غرينلاند باتت عنصرًا مؤثرًا في معادلة التجارة العالمية والأمن الاقتصادي للغرب.فمواردها تشد أنظار العواصم الصناعية، وموقعها يرسم خطوط الملاحة الجديدة، ووضعها السياسي يمكن أن يسهّل أو يعرقل استفادة الغرب من تلك المنافع.إنها حلقة وصل جغرافية بين قارات، وقد تصبح حلقة وصل أو انفصال سياسية بين حلفاء الأطلسي تبعًا لكيفية التعامل معها.وفي عالم اليوم الذي تتداخل فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد، قد تتسبب أزمة سيادة في غرينلاند باضطراب في أسواق المعادن أو بحركة السفن، تمامًا كما يمكن لاتفاق تعاون فيها أن يعزز الأمن الطاقي والتجاري الأوروبي-الأميركي لعقود قادمة.
خاتمة
على الرغم من برودة مناخها الجليدي، أصبحت غرينلاند ملفًا ملتهبًا في العلاقات الدولية المعاصرة.فقد تضافرت في هذه الجزيرة عوامل تجعلها بمثابة قنبلة جيوسياسية موقوتة:موقع إستراتيجي يتحكم في أبواب المحيط المتجمد الشمالي، ودور محوري في منظومات الدفاع الأطلسية، وموارد طبيعية بالغة الأهمية للاقتصاد العالمي.هذه العوامل مجتمعة حولت غرينلاند من أطراف الخريطة إلى مركز في حسابات القوى العظمى.وأمامنا اليوم سيناريوهان متناقضان لكيفية تأثير هذا الملف على مستقبل العلاقة الأوروبية-الأميركية وعلى توازنات الردع في القطب الشمالي.فإما أن ينجح الحلفاء في نزع فتيل هذه القنبلة عبر الحوار والتنسيق واحترام سيادة الدنمارك وحقوق أهل غرينلاند؛ وإما أن يُساء التعامل فتنفجر الأزمة، بما قد يقوض عقودًا من الثقة بين واشنطن وأوروبا.
لقد بيّنت التطورات الأخيرة حتى مطلع 2026 أن تجاهل حساسيات ملف غرينلاند ليس خيارًا ممكنًا.فالتصريحات النارية والاستجابات الدفاعية من كلا الجانبين تدق ناقوس الخطر من احتمال انزلاق الوضع إلى أخطر أزمة داخلية يشهدها الناتو منذ تأسيسه.كما أنها أرسلت إشارة إلى بقية العالم بأن البيت الغربي قد لا يكون موحدًا كما كان.من جهة أخرى، أظهرت هذه الأزمة الكامنة قيمة غرينلاند الهائلة، وذكّرت الأوروبيين بضرورة تعزيز استقلاليتهم الدفاعية والاقتصادية بحيث لا يكون أمنهم أو اقتصادهم رهنًا لتحولات مفاجئة في السياسات الأميركية.فهي بمثابة جرس إنذار لأوروبا لتقوية دفاعاتها في القطب الشمالي وتأمين سلاسل توريدها للمعادن الضرورية، وجرس إنذار لأميركا بأن سياسة التعامل مع الحلفاء بمنطق الصفقات وفرض الأمر الواقع قد تؤدي إلى عزلتها وإضعاف تحالفاتها.

التعليقات