المقدمة والتوزيع العام للقواعد
تحتفظ الولايات المتحدة بشبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية في العالم العربي تمتد عبر عدة دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه القواعد تخدم أغراضًا عسكرية ولوجستية واستراتيجية بحتة، وتشكل العمود الفقري للوجود الأمريكي في المنطقة. وبحسب مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، تدير الولايات المتحدة مواقع عسكرية (دائمة ومؤقتة) في ما لا يقل عن 19 موقعًا ضمن المنطقة، منها ثمانية تُعتبر قواعد دائمة موزعة على دول عربية تشمل البحرين، مصر، العراق، الأردن، الكويت، قطر، السعودية، والإمارات. يبلغ مجموع القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط نحو 40 إلى 50 ألف عسكري بحلول منتصف عام 2025، يتمركزون في قواعد كبيرة دائمة وأيضًا مواقع أمامية صغيرة في أنحاء المنطقة. وتتركز أكبر أعداد من القوات في دول الخليج الأساسية (قطر، البحرين، الكويت، الإمارات والسعودية) حيث تقع أهم القواعد التي تمثل محاور حيوية للعمليات الجوية والبحرية واللوجستية والاستخباراتية ولإبراز القوة.
- البحرين
تُعد البحرين من أهم مستضيفي الوجود العسكري الأمريكي البحري في الخليج. فهي مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية والمسؤولية الأمنية لهذا الأسطول تشمل مياه الخليج والبحر الأحمر وبحر العرب وأجزاء من المحيط الهندي. تستضيف البحرين قاعدة الدعم البحري الأمريكية في الجفير (NSA Bahrain) والتي كانت في الأصل منشأة بريطانية (ميناء سلمان البحري سابقًا) قبل أن تنتقل لاستضافة القوات الأمريكية منذ عقود. يبلغ عدد أفراد وزارة الدفاع الأمريكي (عسكريين ومدنيين) في هذه القاعدة حوالي 9,000 عنصر، ما يجعلها من أكبر التجمعات العسكرية الأمريكية في المنطقة. تستخدم القاعدة لتأمين وحماية السفن والطائرات والوحدات البحرية المنتشرة إقليمياً، وتعمل كمركز قيادة للعمليات البحرية ومراقبة أمن الممرات البحرية الحيوية. كما تُستخدم قاعدة الشيخ عيسى الجوية في البحرين لعمليات دعم جوي ولوجستي بالتنسيق مع القوات الجوية البحرينية، حيث تضم مدارج طويلة ومرافق داعمة ساهمت في نقل الإمدادات والجنود (شهدت هذه القاعدة عام 2011 عبور ما معدله 1600 طن من الشحن و3000 فرد شهريًا أثناء ذروة العمليات). وتكمن الأهمية الاستراتيجية لقواعد البحرين في كونها مركز القيادة البحرية الأمامي وقدرة الأسطول الخامس على الاستجابة الفورية لأي تهديد بحري أو أمني في الخليج ومياه الشرق الأوسط.
- الكويت
تمثل الكويت محورًا لوجستيًا واستراتيجيًا رئيسيًا للقوات الأمريكية في المنطقة. فمنذ حرب الخليج 1991، ارتبطت الكويت باتفاقيات دفاعية وثيقة مع واشنطن، وأصبحت حليفًا أساسيًا من خارج الناتو للولايات المتحدة. تستضيف الكويت عدة قواعد ومنشآت، أبرزها معسكر عريفجان (Camp Arifjan) الذي يبعد نحو 55 كم جنوب مدينة الكويت. معسكر عريفجان هو مقر القيادة المتقدم للجيش الأمريكي في المنطقة الوسطى (ARCENT)، ويُعد مركزًا للقيادة والإمداد والدعم للقوات البرية الأمريكية ضمن نطاق عمليات القيادة المركزية. أُنشئ المعسكر بشكل دائم عام 1999 (بتمويل كويتي يقارب 200 مليون دولار) لاستبدال مرافق مؤقتة استُخدمت منذ حرب الخليج، وهو قاعدة مترامية تستوعب الآلاف من الجنود (سكن فيه نحو 9,000 جندي أمريكي خلال زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن). يضم عريفجان منشآت لوجستية هامة مثل مركز بريد عسكري مشترك يخدم انتشار القوات، كما يحتضن مخزونًا كبيرًا من الآليات مثل العربات المقاومة للألغام MRAP (حوالي 2,200 مركبة في السنوات الأخيرة) مخصص لدعم عملية "درع سبارتن" الهادفة لردع العدوان الإقليمي.
بالإضافة إلى ذلك، توجد قاعدة علي السالم الجوية شمالي الكويت، على بعد حوالي 40 كم من الحدود العراقية. تعرف علي السالم باسم "الصخرة" لطبيعتها المعزولة وموقعها الصحراوي. تضم القاعدة مدرجين بطول ~3000 متر وتستضيف جناح الطيران 386 الأمريكي الذي يشغل طائرات النقل العسكري (C-130 وC-17) وغيرها. تُستخدم علي السالم كنقطة عبور رئيسية للقوات المتجهة إلى مناطق العمليات، حيث يمر من خلالها الجنود في طريقهم إلى العراق أو مناطق أخرى. أما معسكر بيورينغ (Camp Buehring) فيقع في شمال غرب الكويت بالقرب من الحدود، وقد أُنشئ أثناء غزو العراق 2003، ويستخدم حاليًا كنقطة تمركز وتدريب ووحدة انطلاق للقوات البرية المتجهة إلى العراق أو سوريا. يُذكر أن معسكر بيورينغ شهد توسعات مستمرة لتحسين مرافق المعيشة والتدريب (منها بناء وحدات سكنية جديدة عام 2017)، وهو مزود أيضًا بمدرج طوله 1,590 متر لتشغيل الطائرات التكتيكية الخفيفة. كما تشترك القوات الأمريكية مع نظيرتها الكويتية في قاعدة معسكر patriot الواقعة ضمن قاعدة محمد الأحمد البحرية الكويتية، والتي استخدمت كنقطة إنزال بحري وتجميع معدات خلال حرب العراق 2003 (بما في ذلك بناء رصيف مؤقت بواسطة وحدات Seabees البحرية الأمريكية لتفريغ المعدات الثقيلة).
تكمن أهمية الكويت استراتيجيًا في دورها كمركز إمداد وتموين للقوات الأمريكية في كل من الخليج والعراق. فهي تؤمن مخازن مسبقة التجهيز للمعدات (كما كان في معسكر عريفجان سابقًا) وتوفر عمقًا لوجستيًا للقوات المنتشرة في العراق وسوريا. وتُعتبر الكويت أيضًا موقعًا آمنًا نسبياً بعيدا عن خطوط المواجهة، مما يجعلها محطة استراحة وإعادة تجهيز للقوات قبل التحرك إلى ساحات العمليات. إضافة إلى ذلك، ترتبط القواعد في الكويت بشبكة طرق وموانئ ومطارات تتيح نقل الأفراد والمعدات بفعالية، وبالتالي دعم العمليات القتالية أو التدريبية في دول الجوار. وقد وصفت المصادر معسكر عريفجان بأنه المحور الأساسي للإمداد والقيادة للعمليات الأمريكية في الشرق الأوسط ضمن نطاق CENTCOM.
- قطر
تستضيف قطر واحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في العالم، وهي قاعدة العديد الجوية (Al Udeid Air Base) الواقعة في صحراء جنوب غرب الدوحة. أقيمت قاعدة العديد عام 1996 بتمويل مشترك بلغ نحو مليار دولار قبل أن تمتلك قطر سلاح جو حقيقي، واستُثمر فيها حوالي 4 مليارات دولار حتى اليوم للتوسعة والتطوير. تبلغ مساحة القاعدة نحو 24 هكتارًا (60 فدانًا)، وتضم مدرجين عملاقين بطول يفوق 12 ألف قدم قادرين على استقبال جميع أنواع الطائرات في الترسانة الأمريكية. تعتبر العديد أكبر قاعدة جوية تستخدمها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إذ تستوعب ما يقارب 100 طائرة عسكرية بين مقاتلات وقاذفات وطائرات دعم ومسيرات، ويخدم فيها حوالي 10,000 عسكري أمريكي.
تلعب قاعدة العديد دورًا محوريًا متعدد الجوانب؛ فهي المقر الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، حيث يوجد فيها مركز قيادة متقدم يدير العمليات الأمريكية في منطقة تمتد من مصر غربًا إلى كازاخستان شرقًا. كذلك تحتضن العديد مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC) المسؤول عن تنسيق كافة العمليات الجوية في مسرح عمليات الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مقر قيادة القوات الجوية المركزية (AFCENT) ومقر قيادة العمليات الخاصة المركزية الأمامية (SOCCENT). بمعنى آخر، تعد العديد مركز القيادة والتحكم الأساسي الذي تنطلق منه الحملات الجوية الأمريكية في المنطقة. وقد كانت القاعدة محورًا رئيسيًا لدعم العمليات في العراق وسوريا وأفغانستان على مدى العقدين الماضيين، حيث أقلعت منها القاذفات الاستراتيجية لدك تنظيم "داعش" في كل من العراق وسوريا، وأدارت منها مهام الإسناد الجوي والإمداد خلال الحرب في أفغانستان.
بالإضافة إلى الدور العملياتي، تضم قطر معسكر السيلية (Camp As Sayliyah) الذي كان يُستخدم سابقًا كموقع تخزين مسبق كبير للعتاد الأمريكي. احتوى هذا المعسكر على نحو 27 مستودعًا ضخماً لتخزين الدبابات وناقلات الجند المدرعة ومعدات متنوعة، مكّن الجيش الأمريكي من تجهيز لواء مدرع كامل مسبقًا. كما ضم معسكر السيلية ورشًا فنية لإصلاح العربات القتالية (مثل منشأة خاصة لإصلاح عربات Stryker المدرعة أُغلقت عام 2014 بعد إنجاز إصلاح مئات العربات من أضرار المعارك). استخدم معسكر السيلية أيضًا في برنامج خاص لمنح الجنود المجهدين ميدانيًا فترة راحة وإعادة تأهيل قصيرة خلال الحرب في العراق، إذ استضاف بين 2002 و2011 أكثر من 200 ألف جندي في إجازة ترفيهية قصيرة ضمن ما سُمّي برنامج "المرور للاستجمام". غير أن مهمة معسكر السيلية تغيّرت مؤخراً؛ فقد أغلقت الولايات المتحدة منشآتها في السيلية (السيلية الرئيسية والجنوبية ومستودع فالكون للذخائر) منتصف عام 2021 ونقلت المخزونات المتبقية إلى الأردن. جاء هذا التحول ضمن إعادة تموضع تهدف لتخفيف التجمعات في الخليج وتقليل خطر تعرضها للصواريخ في حال التصعيد مع إيران، حيث رأى محللون أن توزيع المعدات على مواقع أبعد كالأردن يعزز مرونة واشنطن في التعامل مع تهديدات طهران. وبقي استخدام قاعدة العديد مستمرًا كمنشأة جوية أساسية ومقر قيادي للقوات الأمريكية.
استراتيجياً، تعتبر قطر عبر قاعدة العديد العصب الجوي للوجود الأمريكي في المنطقة. فهي تؤمّن موقعاً محمياً نسبياً لإدارة الحرب الجوية، بعيداً عن بعض بؤر التوتر. كما أن موقع العديد يكمل دور القواعد الأخرى؛ فعندما سحبت الولايات المتحدة غالبية قواتها من السعودية عام 2003، سمح وجود قاعدة العديد بإعادة نشر تلك القوات بشكل دائم في قطر، الأمر الذي لبّى رغبة واشنطن في استمرار حضورها الإقليمي دون إثارة حساسيات في دول أخرى. واليوم، لا غنى للعمليات الأمريكية عن العديد كونها مركز قيادة وسيطرة واتصالات على أعلى مستوى لجميع فروع الجيش في الشرق الأوسط، وبدونها سيتعطل التنسيق الفوري بين الوحدات المنتشرة جوًا وبرًا.
- الإمارات العربية المتحدة
برزت الإمارات في العقدين الأخيرين كشريك دفاعي مهم يستضيف قوات أمريكية متقدمة تقنيًا. تقع في الإمارات قاعدة الظفرة الجوية (Al Dhafra Air Base) على بعد نحو 32 كم جنوب أبوظبي، وهي قاعدة جوية مشتركة تستخدمها القوات الجوية الإماراتية والأمريكية. تعتبر الظفرة قاعدة استراتيجية ترتكز على مهام الاستطلاع والاستخبارات والدعم القتالي الجوي. تتمركز فيها طائرات أمريكية متطورة مثل مقاتلات الشبح F-22 رابتور ومنصات المراقبة الجوية أواكس (AWACS) والطائرات بدون طيار عالية التقنية. ويستضيف الجناح الجوي الأمريكي 380th Air Expeditionary Wing المكون من 10 أسراب قتالية واستطلاعية في قاعدة الظفرة، والذي يعد بمثابة مركز متقدم للتدريب على تكتيكات القتال الجوي المتقدمة في المنطقة. لعبت الظفرة دورًا رئيسيًا في دعم عمليات التحالف ضد تنظيم داعش، حيث انطلقت منها طلعات جوية لمهاجمة التنظيم في العراق وسوريا، كما دعمت مهام الاستطلاع الجوي لتعقب الأنشطة المعادية عبر الشرق الأوسط. بالإضافة إلى ذلك، تستضيف الظفرة وحدات دفاع جوي (مثل كتيبة باتريوت تابعة للجيش الأمريكي) لحماية أجواء القاعدة والمنطقة المحيطة.
إلى جانب قاعدة الظفرة، توفر الإمارات تسهيلات بحرية هامة. ميناء جبل علي في دبي يُعتبر أكبر مرفأ تستدعيه سفن البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو ليس قاعدة عسكرية تقليدية بل ميناء تجاري عملاق يستخدم بكثافة لاستقبال حاملات الطائرات والسفن الحربية الأمريكية لإجراء أعمال الصيانة والتزود بالإمدادات أو منح أفرادها قسطًا من الراحة على اليابسة. لقد ساهمت البنية التحتية الممتازة لميناء جبل علي وقربه من مسرح العمليات البحري في جعله محطة مفضلة للأسطول الأمريكي خلال دورياته في الخليج والمحيط الهندي.
يُبرز وجود القواعد في الإمارات ميزة التكنولوجيا والتدريب المتقدم ضمن الشبكة الأمريكية الإقليمية. فالإمارات توفر أجواء تشغيلية مستقرة ومنشآت حديثة تسمح بنشر أحدث ما لدى الولايات المتحدة من طائرات مقاتلة وأنظمة جمع معلومات إلكترونية، الأمر الذي يعزز التفوق الجوي والاستخباراتي الأمريكي في الخليج. كما أن موقع الإمارات الجغرافي على ساحل بحر العرب يجعلها نقطة مهمة لتغطية عمليات شمال بحر العرب وخليج عمان (حيث تمر ناقلات النفط الحيوية)، وبالتالي تكمل دور قواعد الخليج الأخرى الأكثر قربًا من مضيق هرمز.
- المملكة العربية السعودية
شهد السعودية تواجدًا عسكريًا أمريكيًا كبيرًا خلال حرب الخليج (1991) وما تلاها، لكنه تقلص بشكل كبير بعد عام 2003 عندما سحبت الولايات المتحدة معظم قواتها عقب غزو العراق. طوال الفترة 2003–2018 اقتصر الوجود الأمريكي في السعودية بشكل أساسي على بعثة التدريب العسكري (USMTM) التي تعمل على تدريب القوات السعودية، وتمركز أفرادها في قرية عُكسر (إسكان) قرب الرياض. قاعدة إسكان هي مجمع سكني محصن يضم فللاً مجهزة لإقامة العسكريين الأمريكيين، وتعتبر نقطة ارتكاز غير قتالية حيث يتركز فيها مستشارو التدريب وبرامج التعاون مثل برنامج تحديث الحرس الوطني السعودي وفرق المساعدة بوزارة الداخلية. تؤمّن الشرطة العسكرية الأمريكية أمن هذه المنشأة التي لا يُخطط لاستخدامها في عمليات قتالية. بعبارة أخرى، خلال تلك السنوات كانت السعودية مضيفًا لبعثة تعليمية ودعم تقني أكثر من كونها مضيفًا لقوات قتالية أمريكية.
بيد أن المشهد تغيّر ابتداءً من عام 2019 نتيجة تصاعد التوتر مع إيران وهجمات الميليشيات. أعادت الولايات المتحدة تفعيل وجودها القتالي في السعودية عبر نشر قوات في قاعدة الأمير سلطان الجوية (PSAB) الواقعة في منطقة صحراوية مفتوحة على بعد ~60 كم جنوب شرقي الرياض. هذه القاعدة كانت سابقًا مركز الثقل للعمليات الجوية الأمريكية في الخليج خلال التسعينيات (حرب الخليج ومن ثم مراقبة مناطق حظر الطيران بالعراق)، ثم أخليت عام 2003. لكن في منتصف 2019، وبطلب من الحكومة السعودية بعد هجمات طهران ووكلائها على منشآت نفطية، نُشرت سرب مقاتلات أمريكي ووحدات دفاع جوي باتريوت في قاعدة الأمير سلطان. وبحلول أوائل 2020 بلغ قوام القوة الأمريكية هناك نحو 2,500 عسكري، مع وحدة من مقاتلات F-15E تقوم بطلعات يومية فوق العراق وسوريا انطلاقًا من القاعدة، إضافة إلى بطاريتي باتريوت ومنظومة THAAD مضادة للصواريخ الباليستية لتعزيز دفاعات المملكة والخطوط الخلفية للقوات الأمريكية. تقع القاعدة في منطقة نائية شاسعة مما يجعلها هدفًا معقدًا لإيران ويصعّب وصول الصواريخ أو الطائرات المسيّرة المعادية إليها مقارنة بالقواعد الساحلية. وقد وصفها قائد القيادة المركزية (الجنرال كينيث ماكنزي آنذاك) بأنها موقع يوفر "بقعة انتشار مثالية" تتيح حشد قوة نارية كبيرة في منطقة محمية.
بالإضافة إلى الأمير سلطان، استمر انتشار أفراد بعثة التدريب في مواقع مختلفة، لكن القوات الأمريكية العاملة في المملكة باتت توفر أيضًا قدرات دفاع جوي وتشغيلية. بلغ عدد الجنود الأمريكيين في السعودية حوالي 2321 عنصرًا في عام 2024 وفق خطاب رسمي أمريكي. هؤلاء الجنود يعملون بتنسيق مع الجيش السعودي في تشغيل أنظمة الدفاع الجوي (كباتريوت) وتأمين القواعد الجوية السعودية التي تستضيف الطائرات الأمريكية. ويظل تركيزهم الأساسي هو حماية الأجواء والمصالح المشتركة من أي هجمات صاروخية أو جوية محتملة، فضلًا عن دعم تشغيل الطائرات الأمريكية المنطلقة من المملكة.
تكمن أهمية السعودية ضمن الشبكة القاعدية الأمريكية في كونها توفر عمقًا استراتيجيًا إضافيًا بعيدًا عن الخليج المباشر. فقواعد مثل الأمير سلطان تمنح واشنطن خيارًا لنشر طائرات حربية وأنظمة دفاع جوي قوية في موقع أقل عرضة لتهديد الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى، مما يخفف العبء عن قواعد الخليج المكتظة. كما أن التعاون الدفاعي مع الرياض - صاحبة أكبر قوة عسكرية تقليدية في الخليج - يعزز منظومة الدفاع المشترك الجوي والصاروخي الإقليمي لحماية البنى التحتية النفطية والتجمعات السكانية والقواعد الأمريكية على حد سواء. ومن الناحية التكتيكية، يؤدي توزيع القوات بين قطر والكويت والإمارات والسعودية إلى تشتيت تركيز الخصوم وإجبارهم على التعامل مع عدة مواقع بدلاً من تركيزهم على نقطة واحدة.
- سلطنة عُمان
تمتلك عُمان وضعًا خاصًا في منظومة القواعد الأمريكية، إذ كانت أول دولة خليجية توقع اتفاقية رسمية تتيح للقوات الأمريكية استخدام مرافقها. بدأت اتفاقية التسهيلات العسكرية العمانية-الأمريكية عام 1980 في ذروة التوترات الإقليمية، وجُدِّدت مرارًا (آخرها عام 2010). بموجب هذه الاتفاقية، يُسمح للقوات الأمريكية بطلب استخدام قواعد وموانئ عمانية محددة سلفًا لأغراض متفق عليها، مع ضرورة التنسيق المسبق لكل حالة. تاريخيًا، جعلت هذه الشراكة من عمان شريكًا عسكريًا مبكرًا لواشنطن في الخليج، وأتاح للقوات الأمريكية مرونة كبيرة خصوصًا خلال الأزمات. على سبيل المثال، اعتمدت الولايات المتحدة بشكل ملموس على القواعد الجوية العمانية خلال المراحل الأولى من عملية حرية العراق 2001 في أفغانستان، حيث استخدمت مسارح جوية عمانية لشن الضربات الأولى نظرًا لقربها النسبي.
يوجد في عمان عدة قواعد رئيسية تتاح للاستخدام الأمريكي عند الطلب: منها قاعدة مصيرة الجوية (RAFO Masirah) على جزيرة مصيرة قبالة الساحل، والتي تضم مدرجين بطول ~10,000 و8,400 قدم وكانت تاريخيًا محطة لوجستية مهمة (استخدمتها القوات الأمريكية إبان أزمة الرهائن في إيران 1980 كنقطة انطلاق). كذلك قاعدة ثُمريت الجوية في ظفار جنوب عمان (مدرج ~13,000 قدم) التي تُخزن بها معدات وذخائر احتياطية أمريكية، وقاعدة المصنعة الجوية قرب الساحل الشمالي (مزودة بمنصة شحن جوي تستوعب طائرات C-5 وC-130) والتي يخزن فيها أيضًا عتاد حربي أمريكي ضمن مخازن احتياط. كما أن مطار مسقط الدولي نفسه (قاعدة السيب سابقًا) مدرج ضمن الاتفاقية ويمكن استخدامه عند الضرورة، وقد مُددت مدارجه مؤخرًا إلى 13,000 قدم بما يلائم استقبال الطائرات العسكرية الضخمة. إلى جانب ذلك، تتيح المجال الجوي والموانئ العمانية دعماً هائلاً: تسمح عمان سنويًا لأكثر من 5,000 طلعة جوية و600 هبوط طائرة و80 زيارة سفينة حربية أمريكية في منشآتها ومجالها، مما يظهر حجم التعاون العسكري المستمر حتى دون تمركز دائم.
شهدت السنوات الأخيرة تطورًا استراتيجيًا في عمان مع افتتاح ميناء الدقم على بحر العرب. في عام 2019، وُقعت اتفاقية تمنح القوات الأمريكية والبريطانية حق استخدام الحوض الجاف بميناء الدقم لأغراض الصيانة والتموين. الدقم ميناء عملاق يتميز بموقع خارج مضيق هرمز، وقد صُمم ليستوعب حاملات الطائرات والغواصات الأمريكية لإجراء الصيانة والتموين بعيدًا عن تهديدات الخليج المباشرة. بالفعل باتت قطع الأسطول الأمريكي تزور الدقم لإجراء أعمال إصلاح طويلة المدى لا يمكن تنفيذها بسهولة في موانئ الخليج الضيقة. هذا التطور جعل من عمان محور جذب لاهتمام عسكري دولي متزايد، بما في ذلك من الهند والصين أيضًا، لكن بالنسبة للولايات المتحدة يقدم الدقم وعمان عامةً "باقة بدائل" تخطيطية لنقل عمليات الدعم البحري والجوي إليها وقت الأزمات، بحيث لا تعتمد بالكامل على قواعد الخليج الشمالية. على سبيل المثال، يمكن في حالة تعرّض قواعد في قطر أو الإمارات لتهديد مباشر، نقل بعض الطائرات أو السفن مؤقتًا إلى قواعد عمانية الآمنة نسبيًا، ومن ثم الاستمرار بالعمليات من هناك. وبينما انخفض التواجد الأمريكي الدائم في عمان بشكل كبير بعد انتهاء حرب أفغانستان، إلا أن الأصول الأمريكية المخزنة فيها والحقوق اللوجستية المكتسبة تبقى رصيدًا استراتيجيًا احتياطيًا مهمًا في أي طارئ عسكري بالمنطقة.
- الأردن
برز الأردن كأحد الشركاء الهادئين والمهمين في تسهيل العمليات الأمريكية، خاصة منذ اندلاع الأزمات في العراق وسوريا. يستضيف الأردن قوات أمريكية بقدرات متنوعة تتركز خاصة في قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق (100 كم شمال شرق عمّان). هذه القاعدة الجوية الكبيرة تستضيف الجناح 332 الاستكشافي الجوي الأمريكي، والذي ينفذ مهام عملياتية عبر بلاد الشام (المشرق العربي). فعلى مدى السنوات الأخيرة، استخدمت المقاتلات الأمريكية قاعدة الأزرق لضرب أهداف تنظيم داعش في سوريا ومناطق بالعراق، كما تتواجد فيها طائرات مسيّرة أمريكية لأغراض الاستطلاع والاستخبارات دعماً لجهود مكافحة الإرهاب. وفق تقرير لمكتبة الكونغرس عام 2024، يقوم جناح 332 المتمركز في الأردن بمهام تشمل عمليات جوية عبر بلاد الشام وتنسيق تدريب، ما يعكس الدور المتقدم للأردن في دعم المهام الإقليمية.
بالإضافة إلى قاعدة الأزرق، يستخدم الجيش الأمريكي ومشاة البحرية مواقع تدريب عدة في الأردن ضمن التعاون المستمر. هناك مركز الملك عبد الله الثاني لتدريب العمليات الخاصة (KASOTC) قرب عمّان، وهو منشأة دولية متطورة أسست بدعم أمريكي تُجرى فيها تدريبات مشتركة للقوات الخاصة الأردنية والأمريكية وغيرها، ما يعزز جاهزية وحدات العمليات الخاصة في بيئات مشابهة لمناطق النزاع الإقليمية. كما استُخدمت ميادين تدريب في جنوب الأردن لإجراء تمارين سنوية كبيرة (مثل تمرين "الأسد المتأهب") بمشاركة قوات أمريكية وعربية. ورغم أن هذه الميادين ليست "قواعد أمريكية" دائمة، إلا أنها تشير إلى حضور تدريبي دوري مهم.
تُقدّر أعداد القوات الأمريكية في الأردن ببضعة آلاف (تتفاوت تبعًا للأنشطة التدريبية والمهام). وقد زادت أهمية الأردن بالنسبة لواشنطن بعد قرار نقل بعض المهام اللوجستية من قطر إليه عام 2021؛ حيث نُقلت معدات وذخائر من معسكر السيلية في قطر إلى مواقع أردنية لتوزيع المخزون وتعزيز الدعم اللوجستي لقوات الانتشار الأمامي. يوفر الأردن عمقًا ميدانيًا للوحدات الأمريكية قرب ساحات العمليات السورية والعراقية، إذ يُجاور محافظة الأنبار العراقية من الشرق وجنوب سوريا من الشمال. لذا، تُستخدم الأراضي الأردنية لنقل الإمدادات برًا وجوًا إلى القوات الأمريكية في تلك الجبهات. وتتمتع القوات الأمريكية في الأردن أيضًا بموقع استراتيجي يتيح الاستجابة لأي طارئ في منطقة المشرق (مثل أزمات اللاجئين أو مكافحة الإرهاب) بسرعة، مستفيدة من الاستقرار الأمني الأردني وتحالف عمان الوثيق مع واشنطن. وقد أثبتت عمّان أنها شريك موثوق أبقى وجود القوات الأمريكية منخفض المظهر سياسيًا، ومركّزًا فقط على المهام العسكرية المشتركة.
- العراق
ظل العراق مسرحًا معقدًا للوجود العسكري الأمريكي خلال العقدين الماضيين، من حرب شاملة إلى انسحاب ثم عودة في مهمة أصغر. فبعد الانسحاب الكامل للقوات القتالية نهاية 2011، عادت مجموعات من القوات الأمريكية عام 2014 بدعوة من الحكومة العراقية لقيادة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش. ومنذ هزيمة داعش ميدانيًا، تحولت مهمة القوات الأمريكية بحلول 2022 إلى الدعم والاستشارة بشكل أساسي، مع الحفاظ على وجود يقدر بحوالي 2,500 عسكري أمريكي في العراق. يتوزع هؤلاء في عدد محدود من القواعد العراقية حيث يعملون ضمن إطار بعثة التحالف الدولي وحلف الناتو لتدريب القوات العراقية وتقديم المشورة الاستخبارية واللوجستية.
أبرز المواقع التي تحتضن أمريكيين هي قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار غرب العراق. عين الأسد هي قاعدة عراقية كبيرة شهدت تمركزًا أمريكيًا كثيفًا خلال حرب العراق، ولا تزال اليوم تستضيف وحدة أمريكية لدعم الجيش العراقي في مواجهة فلول داعش. وفق البيت الأبيض، يوفر الوجود في عين الأسد الدعم لقوات الأمن العراقية والمساهمة في مهمة الناتو التدريبية. وقد تعرضت هذه القاعدة لهجوم صاروخي إيراني بارز في يناير 2020 ردًا على اغتيال الجنرال قاسم سليماني، مما أدى إلى إصابة جنود أمريكيين آنذاك. يتمركز الأمريكيون أيضًا في قاعدة أربيل الجوية ضمن إقليم كردستان العراق شبه المستقل. قاعدة أربيل تُعد مركزًا لقوات التحالف في الشمال، حيث توفر موقعًا آمنًا للتدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق اللوجستي مع قوات البيشمركة الكردية والقوات العراقية. فعلى أرضها يتم تدريب الوحدات الخاصة على مداهمة أوكار داعش، وتُنسّق الضربات الجوية لطائرات التحالف بناءً على بيانات استخباراتية مشتركة. كما أنها تؤمن مطاراً عسكرياً يمكن منه دعم العمليات شرق سوريا عند الضرورة. يضاف إلى ذلك وجود أمريكي (بعديد أقل) في معسكر التاجي شمال بغداد سابقًا وفي مطار بغداد (قاعدة فيكتوري)، لكن معظم هذه المواقع سُلّمت للعراقيين تدريجيًا، مع إبقاء فريق استشاري في مجمع السفارة الأمريكية في بغداد لأغراض التنسيق الأمني.
تلعب القواعد في العراق دورًا تكتيكيًا محوريًا في الحرب على الإرهاب؛ فمن خلال عين الأسد وأربيل، تستطيع الولايات المتحدة مراقبة نشاط خلايا داعش ومنع عودتها للتمدد. كما تشكل هذه القواعد نقاط ارتكاز لأي رد دفاعي ضد تهديدات الميليشيات الموالية لإيران في العراق. ولكن نظرًا لحساسية السيادة العراقية، فإن جميع هذه القواعد رسمياً تحت سيطرة عراقية مع مجرد وجود "استشارة" أمريكية، ولا يُشار إليها كقواعد أمريكية مستقلة. ورغم قلة عددها، فإن قيمتها الاستراتيجية تكمن في موقعها الجغرافي: عين الأسد تغطي غرب العراق وقرب الحدود السورية، وأربيل تغطي الشمال وتقع على ملتقى طرق نحو إيران وسوريا وتركيا. بهذا الانتشار المحدود لكن الفعال، تبقى العين الأمريكية حاضرة في مسرح العراق لمنع أي فراغ أمني قد تستغله الجماعات الإرهابية مجددًا أو الأطراف المناوئة لواشنطن.
- سوريا
يختلف الوضع في سوريا عن بقية الدول العربية، إذ لا يوجد اتفاق استضافة رسمي مع الحكومة السورية، لكن القوات الأمريكية تتواجد هناك كجزء من حملة محاربة داعش ودعم الحلفاء المحليين (قوات سوريا الديمقراطية SDF). منذ عام 2015، انتشرت وحدات من القوات الخاصة واللواء 82 المحمول جوًا ووحدات مشاة البحرية بشكل متناوب في شمال وشرق سوريا. بلغ قوام القوة الأمريكية في سوريا حوالي 900 عسكري بحلول 2025 (بعد أن كان نحو 1500 قبلها)، موزعين على عدة مواقع صغيرة. من أبرز هذه المواقع قاعدة التنف في زاوية الحدود الجنوبية لسوريا مع العراق والأردن. تُعد التنف نقطة حامية صحراوية استراتيجية أنشأتها القوات الأمريكية عام 2016 وتستخدمها لتدريب فصيل محلي حليف (جيش مغاوير الثورة) على مكافحة داعش، وكذلك لمراقبة طريق بغداد-دمشق الاستراتيجي ومنع استخدامه من قبل الميليشيات المدعومة إيرانيًا. أصبحت التنف رمزًا للوجود الأمريكي "خارج نطاق" سيطرة دمشق، وتعرضت مرارًا لهجمات بالطائرات المسيّرة من مجموعات يُعتقد أنها موالية لإيران دون خسائر كبيرة.
إلى جانب التنف، تنتشر قوات أمريكية مع وحدات التحالف في حقول نفط وغاز شرق سوريا ضمن محافظتي دير الزور والحسكة. فعلى سبيل المثال، يتواجد الجنود الأمريكيون في محيط حقل العمر النفطي وحقل كونيكو للغاز، حيث أقيمت نقاط عسكرية مشتركة مع الـSDF لحماية هذه الموارد ومنع وقوعها بيد خلايا داعش. كما يشغل الأمريكيون قاعدة جوية صغيرة في حقل رميلان بالحسكة لأغراض الدعم اللوجستي والإخلاء الطبي ومهبط للمروحيات. وفي الشمال، تواجدت سابقًا وحدات أمريكية في منبج وعين العرب (كوباني) قبل انسحابها خلال أحداث 2019، لكنهم احتفظوا بانتشار في الشرق.
تتمثل نوعية المهام للقوات الأمريكية في سوريا في عمليات خاصة ضد فلول داعش (كالمداهمات الليلية التي تستهدف قادة التنظيم)، وتقديم دعم استخباراتي ووحدات طائرات بدون طيار لمراقبة تحركات الإرهابيين، إضافة إلى تأمين الحدود لمنع تسلل الأسلحة والمقاتلين. ورغم محدودية العدد، فإن وجود هذه الوحدات أكسب الولايات المتحدة نفوذًا تكتيكيًا مهمًا على الأرض السورية في منع عودة ظهور تهديد إرهابي عالمي. كما أنه ورقة ضغط استراتيجية على طهران ودمشق؛ إذ تبقي قاعدة التنف تحديدًا عائقًا أمام إنشاء ممر بري كامل لإيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان. وقد أشارت تقارير إلى أن هذا الوجود بات ضمن حسابات الردع: فإيران هددت مرارًا باستهداف قواعد أمريكية في سوريا إذا تصاعدت المواجهة مع واشنطن. وحتى الآن، تستمر القوات الأمريكية في سوريا في وضعية دفاعية مدروسة لتفادي أي احتكاك مباشر كبير مع القوات الروسية أو السورية، بينما تضمن استمرار الضغط على داعش. ومع بدايات 2026، ظهرت إشارات إلى احتمال إعادة تموضع في ضوء تفاهمات إقليمية جديدة، لكن بصورة عامة يبقى قرار التواجد الأمريكي في سوريا مرتبطًا بتقييم خطر الإرهاب وقدرة القوات المحلية على الاستمرار بدونه.
- مصر
يختلف الحال في مصر عن دول الخليج من حيث عدم وجود قواعد أمريكية قتالية على أراضيها، بيد أنها تستضيف قوة أمريكية صغيرة في مهمة حفظ سلام دولية. فمنذ توقيع معاهدة كامب ديفيد 1978 بين مصر وإسرائيل، تم إنشاء قوة متعددة الجنسيات لمراقبة تنفيذ بنود اتفاق السلام في شبه جزيرة سيناء. بدأت الولايات المتحدة بنشر قوات في سيناء عام 1981 ضمن هذه القوة المسماة القوة متعددة الجنسيات والمراقبون (MFO). يبلغ تعداد القوة متعددة الجنسيات الإجمالي حوالي 1,100 جندي من قرابة 13 دولة، نصيب الولايات المتحدة منهم نحو 400 جندي في السنوات الأخيرة. تتمركز هذه القوات الأمريكية في معسكرين رئيسيين: معسكر الشطر الشمالي قرب ساحة الجورة في شمال سيناء، ومعسكر الشطر الجنوبي في شرم الشيخ بجنوب سيناء. تقوم مهمتهم الأساسية على مراقبة المنطقة منزوعة السلاح على طول الحدود المصرية-الإسرائيلية والتحقق من عدم خرق شروط التسليح المتفق عليها. وعلى مدار عقود، كان أكبر تهديد يواجه هذه القوات هو الملل أو بعض الحوادث المحدودة. لكن منذ ظهور خلايا لتنظيم داعش في شمال سيناء منتصف العقد الماضي، اضطرت القوات الأمريكية هناك إلى تعزيز تدابير الحماية وحتى زيادة عددها مؤقتًا عام 2015 بحوالي 75 جنديًا إضافيًا لتحسين الأمن. ومع ذلك، بقي الدور الأساسي لهذه القوة أمريكيًا هو دعم حفظ السلام وليس القتال المباشر.
لا توجد قواعد أو وحدات قتالية أمريكية أخرى في مصر، إذ ترفض القاهرة تاريخيًا استضافة قوات أجنبية قتالية على أراضيها. لكن يجدر الذكر أن التسهيلات العسكرية المصرية كانت مهمة للوجستيات الأمريكية: فمثلًا قناة السويس ظلت ممرًا بالغ الأهمية لعبور حاملات الطائرات والسفن الأمريكية من البحر المتوسط إلى الخليج والعكس، وغالبًا ما حظيت السفن الحربية الأمريكية بأولوية المرور عبر القناة دعمًا لجهودها العملياتية. أيضًا تستضيف مصر تدريبات عسكرية دورية ضخمة مشتركة مع الأمريكيين مثل مناورات النجم الساطع في قواعد مثل محمد نجيب العسكرية وغيرها، حيث تنزل قوات أمريكية بشكل مؤقت للتدريب. وتوجد اتصالات وثيقة بين قيادتي القوات الجوية للبلدين، إذ يُستخدم المجال الجوي المصري في بعض الأحيان لعبور الطائرات الأمريكية إلى المنطقة. على أنه مع كل ذلك، لا تُصنف أي منشأة في مصر كقاعدة أمريكية دائمة. ويظل الوجود العسكري الأمريكي مقتصرًا على بعثة سيناء (بطابع حفظ السلام) وعلى أنشطة التدريب والتعاون التي تنفذ دون ترك قوات مقيمة.
- جيبوتي
تعتبر جيبوتي (على الرغم من أنها في القرن الأفريقي، إلا أنها عضو في الجامعة العربية) حالة فريدة حيث تحتضن القاعدة الأمريكية الدائمة الوحيدة في أفريقيا. في عام 2002، أقامت الولايات المتحدة معسكر ليمونيه (Camp Lemonnier) في جيبوتي على موقع قاعدة فرنسية قديمة بجوار مطار جيبوتي الدولي. تطور المعسكر ليصبح منشأة استراتيجية بالغة الأهمية تُدار من قبل البحرية الأمريكية وتستضيف قوات مشتركة متعددة. يبلغ قوام الأفراد هناك أكثر من 4,000 عسكري وموظف (منهم عناصر من الحلفاء أيضًا). ومن هذا المعسكر تعمل القوة المشتركة المكلفة بالقرن الأفريقي (CJTF-HOA) التابعة للقيادة الأفريقية الأمريكية AFRICOM. تؤدي جيبوتي دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب بالمنطقة، حيث تنطلق منها عمليات ضد تنظيمات مثل حركة الشباب في الصومال، وكذلك ضد فروع للقاعدة في اليمن. المعسكر مزود بمدرجات للطائرات تسمح بتشغيل الطائرات المقاتلة والمسيرة، ويوجد على الأراضي الجيبوتية أيضًا مدرج شابلي (Chabelley Airfield) الذي تستخدمه الولايات المتحدة منذ 2013 حصريًا لإطلاق الطائرات بدون طيار للمهام الاستخبارية والهجومية في الصومال واليمن.
تبرز الأهمية اللوجستية والاستراتيجية لجيبوتي في عدة نقاط. أولًا، موقعها المطل على باب المندب يجعلها مراقبًا للممر الملاحي الحيوي الواصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. فمن جيبوتي، تضمن البحرية الأمريكية تأمين هذا المضيق ضد تهديدات الإرهاب والقرصنة، بالتكامل مع الأسطول الخامس في البحرين الذي يغطي البحر الأحمر ضمن نطاقه. ثانيًا، يوفر معسكر ليمونيه منصة إقليمية يمكن منها دعم العمليات في مناطق متوترة بالقارة الأفريقية (كالصومال وشرق أفريقيا) دون الحاجة لإقامة قواعد جديدة هناك. وقد أثبت المعسكر فعاليته كنقطة انتشار سريعة للقوات الخاصة وقوات المارينز في حالات الأزمات الإنسانية أو الأمنية في أفريقيا. ثالثًا، نظراً لقرب جيبوتي من شبه الجزيرة العربية، فإن القاعدة تخدم أيضًا كعمق استراتيجي لدعم عمليات التحالف في اليمن. بالفعل تم استخدام جيبوتي لإجلاء مواطنين أمريكيين من اليمن ولتكون مطارًا بديلًا لطائرات المراقبة الأمريكية فوق اليمن عندما تعذر تشغيلها من القواعد اليمنية. وعلاوة على ذلك، مع تزايد قدرات الحوثيين في اليمن على استهداف عمق الخليج بالصواريخ والمسيرات، أخذت القيادات العسكرية الأمريكية تتحسب لاحتمال أن تصبح قاعدة جيبوتي هدفًا أيضا ضمن مدى هذه التهديدات، مما دفعها إلى تعزيز الدفاعات هناك (وافقت جيبوتي عام 2024 على نشر بطاريات باتريوت أمريكية في ليمونيه للدفاع الجوي).
بشكل عام، يمثل الوجود الأمريكي في جيبوتي قاطرة العمليات في منطقة القرن الأفريقي وخليج عدن. فهو يجمع بين مهام قتالية واستخباراتية وتدريبية ويضمن استمرار حضور القوة الأمريكية في منطقة قد تنشط فيها شبكات الإرهاب والتهريب. كما أن معسكر ليمونيه يسهل الربط العملياتي بين قيادتي CENTCOM وAFRICOM: فحين تتطلب مهمة ما موارد من كلتا القيادتين (كما في حالة تعقب تهريب أسلحة إيرانية عبر البحر الأحمر)، فإن موقع جيبوتي يمكّن تنسيقًا سلسًا بين الأسطول البحري والموارد الجوية الأمريكية العاملة عبر نطاق مشترك
خلاصة
تمثل القواعد الأمريكية في الدول العربية بُنية تحتية عسكرية حيوية تضمن استمرار التفوق العملياتي واللوجستي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمن خلال توزيع مدروس لهذه القواعد – بين مقرات قيادة، ومنشآت جوية وبحرية، ومخازن إمداد، ونقاط تدريب ومراقبة – نجحت واشنطن في بناء شبكة تمكنها من إدارة الحروب واحتواء الأزمات الإقليمية بفعالية عالية. وقد استعرضت هذه الورقة المواقع الرئيسية في كل دولة عربية مضيفة، موضحةً عدد المنشآت وأسمائها وأدوارها، وكذلك أهميتها النسبية في الهيكل العام. ورأينا كيف تتكامل أدوار القواعد: فبعضها يختص بالقيادة والتحكم (مثل العديد)، وآخر بالدعم اللوجستي (الكويت)، وغيره بالعمليات البحرية (البحرين) أو الجوية المتقدمة (الإمارات والأردن) أو مكافحة الإرهاب (العراق وسوريا وجيبوتي). هذا التنوع هو مصدر قوة للوجود الأمريكي، إذ يضمن توزيع المخاطر وتوفير البدائل وتوسيع نطاق التأثير العسكري.
ومن منظور تكتيكي–استراتيجي بحت، تبرز عدة استنتاجات: أولاً، أن الوجود الأمريكي العسكري في المنطقة صُمم ليكون مرنًا وقابلًا للتعديل السريع مع تغيّر التهديدات والأولويات، دون الاعتماد المفرط على موقع واحد. ثانيًا، أن البعد اللوجستي لهذا الانتشار (من مخزونات ما قبل التموضع، وموانئ، ومسارات نقل) له نفس أهمية البعد القتالي، حيث أنه العمود الفقري لتحريك وإدامة القوة عبر مسافات شاسعة. ثالثًا، حقق الأمريكيون نوعًا من التوازن الإقليمي عبر توزيع قواعدهم بين دول الخليج والمشرق والقرن الأفريقي، بحيث يصعب لأي طرف معادٍ استهدافها جميعًا أو تعطيل عملياتها بالكامل بضربة واحدة. رابعًا، تعتمد استراتيجية هذه القواعد على الشراكة الوثيقة مع الدول المضيفة التي توفر الأراضي والتسهيلات مقابل الضمانات الأمنية والتدريب. لذا فإن أي تغيير في مواقف الدول المضيفة أو استقرارها سينعكس مباشرة على الوجود الأمريكي (كما حدث مثلاً في العراق 2011 أو قد يحدث في سوريا). أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من تركيز هذه الدراسة على الجوانب العسكرية واللوجستية، فإن سلامة هذا الانتشار وفعاليته ترتبط أيضًا بقدرته على التكيف مع البيئة الجيوسياسية المتغيرة باستمرار في الشرق الأوسط دون التورط في حساسيات سياسية محلية، وهو تحدٍ تديره القيادة الأمريكية بحذر عبر عقود من التواجد المستمر.
في ضوء ما سبق، يظهر توزيع القواعد الأمريكية في العالم العربي كشبكة دقيقة وحساسة – دقيقة في تصميمها العسكري لتحقيق أقصى تأثير ومرونة، وحساسة لكونها تعتمد على عوامل خارجية كالتحالفات والوضع الأمني الإقليمي. ورغم الحديث أحيانًا عن إمكانية تقليص هذا الوجود ضمن توجه "التركيز نحو آسيا"، تبرز كل أزمة جديدة في الشرق الأوسط أهمية هذه القواعد كأصول استراتيجية لا غنى عنها لحماية المصالح الأمريكية وحفظ توازن القوى الإقليمي. وإن كانت بعض التفاصيل حول هذه القواعد تخضع للسرية أو تتغير مع الزمن، فإن الصورة العامة الواضحة حتى اليوم (28 فبراير 2026) هي أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك بنية انتشار إقليمية قوية قادرة على دعم أي عمليات عسكرية ترى ضرورتها في العالم العربي، مع احتفاظها بهامش مرونة لإعادة الانتشار أو الانسحاب المنظم إذا ما تغيرت الظروف أو السياسات.

Comments