لماذا نشعر بالذنب حين نستريح… حتى ونحن متعبون؟

نشعر بالذنب عند الراحة لأننا تعلمنا أن قيمتنا تُقاس بما نفعل، لا بما نحتاجه.

لماذا نشعر بالذنب حين نستريح… حتى ونحن متعبون؟

صارت الراحة اليوم شيئا غريبا:نشتاقها، ثم نشعر بالذنب لحظة نقترب منها.كان الاسترخاء في المخيلة القديمة علامة عافية او توازن، اما الان فغالبا ما يتصرف كجريمة صغيرة تحتاج تبريرا:“تعبت”،“انجزت”،“استحق”.كأن الراحة لا تصبح شرعية الا اذا سبقتها فاتورة من الارهاق.وهذا التحول لا يحدث فقط في العمل، بل في داخلنا:في الطريقة التي نقيس بها قيمتنا، وفي الصوت الذي يهمس لنا ان التوقف يعني تراجع، وان السكون يعني ضياع فرصة.

الزاوية الاوضح لفهم هذا الذنب هي ان الراحة لم تعد فراغا محايدا، بل صارت منافسا في سوق الانتباه والانتاج.نحن نعيش في ثقافة تقدس الانشغال:الامتلاء بالمهام دليل جدية، والارهاق دليل اخلاص، و”الضغط”صار سيرة ذاتية مختصرة.حين تصبح الهوية مرتبطة بالانجاز، تتحول الراحة الى تهديد للذات:اذا توقفت، من اكون؟ لهذا يطلب الاسترخاء تبريرا:ليس لان الجسد لا يحتاجه، بل لان المعنى الاجتماعي الذي بنيناه حوله صار مشبوها.

وهنا تأتي اللقطة التي تختصر المشهد:شخص يستعد ان يرتاح، ثم يفتح هاتفه بدل ذلك.هذا ليس اختيارا بسيطا، بل حل وسط نفسي.الهاتف يمنحنا شكلا من“الراحة المنتجة”:لا نعمل تماما، لكننا ايضا لا نتوقف تماما.نتصفح كي نخفف التوتر، وفي الوقت نفسه نحافظ على شعور اننا“حاضرين”و”مواكبين”.فيصبح التصفح قناعًا للراحة:راحة من دون اعتراف، استراحة لا تتطلب مواجهة الذنب.لكن المفارقة ان هذا القناع يسرق جوهر الراحة:لا يهبط الجهاز العصبي فعلا، ولا يستعيد العقل بطئه، بل ينتقل من ضغط المهام الى ضغط المقارنات والاشعارات.

يعمق الذنب ايضا ان الحدود بين العمل والحياة ذابت.لم يعد هناك باب نغلقه فنغادر“المهنة”، ولا وقت ينتهي فتبدأ“الذات”.الهاتف في الجيب يعني ان العمل يمكن ان يحدث في اي لحظة، وان الحياة نفسها يمكن ان تتحول الى مشروع:تحسين، تطوير، قراءة، متابعة، لياقة، مهارات.حتى الاسترخاء صار يلبس زي الانجاز:تطبيق للتامل يعدك بعدد الدقائق، ساعة تقيس النوم، قائمة افلام“لازم تشوفها”.كأننا لا نرتاح الا اذا استطعنا ان نثبت اننا نرتاح“بشكل صحيح”.

وهناك سبب اعمق:الراحة تفضح هشاشتنا.حين نصمت، تظهر الاسئلة التي نهرب منها:هل انا راض؟ ماذا اخاف؟ لماذا اشعر اني متاخر؟ الانشغال يطمس القلق، اما الراحة فتسحب الستارة.لهذا قد يفضل العقل ضجيج الهاتف على هدوء السرير، لان الضجيج يقدم مهربا فوريا من مواجهة الذات.الذنب هنا ليس اخلاقيا فقط، بل دفاعيا:الراحة تفتح بابا لا نعرف ماذا سنرى خلفه.

الطريق للخروج لا يبدأ بكره الهاتف، بل باعادة تعريف الراحة:ليست مكافاة بعد العذاب، بل جزء من ادارة الحياة.ليست فراغا، بل صيانة.حين نحتاج لتبرير الاسترخاء، فذلك يعني اننا نعيش تحت معيار واحد:القيمة=انتاج.اما اذا استعدنا حقنا في التوقف دون اعتذار، نكون قد كسرنا اقدم خدعة في عصر السرعة:ان الانسان لا يستحق الهدوء الا اذا انهكه.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)