في صباح 28 فبراير 2026 لم يات الهجوم الامريكي على ايران كحادث مفاجئ معزول، بل كخاتمة لمسار تصاعدي جمع بين فشل تفاوضي متكرر، وضغط زمني علني من البيت الابيض، وتنسيق عسكري متقدم مع اسرائيل، ثم قناعة متنامية داخل الادارة بان نافذة"اتفاق يمنع التصعيد"تضيق بسرعة.ما يميز هذه اللحظة ان واشنطن لم تقدم الضربة بوصفها مجرد رد تكتيكي، بل بوصفها انتقالا الى"عمليات قتالية كبرى"ضمن عملية سميت"EPIC FURY"، مع ربطها بشكل مباشر بهدفين:كبح برنامج ايران النووي وطموحاتها الصاروخية، وتقليص قدرتها على تهديد القوات والممرات الحيوية في المنطقة.
السبب الاول الذي يظهر بوضوح في تغطية اليوم هو ان مسار المفاوضات الاخيرة وصل الى نقطة انسداد في القضايا الجوهرية، لا في التفاصيل الثانوية.الجولة الاخيرة من المحادثات غير المباشرة في جنيف يوم 26 فبراير انتهت بلا اتفاق رغم حديث الوسيط العماني عن"تقدم مهم"وتبادل"افكار ايجابية".كان هناك جلستان في اليوم نفسه، وشاركت فيها وفود يقودها وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي من جهة، ومن جهة واشنطن مبعوثون من بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مع ادارة عمانية للمسار.لكن عبارات"تقدم"لم تتحول الى اعلان اختراق، لان الطرفين لم يتجاوزا نقاط الخلاف الكبرى.
تفاصيل هذه المفاوضات تكشف لماذا بدا الهجوم اليوم"مبررا"في خطاب البيت الابيض:واشنطن كانت تريد تغييرا جذريا في عناصر يعتبرها الغرب خطرا مباشرا، بينما ارادت طهران اتفاقا يضمن رفع العقوبات ويعترف بحقها في نشاط نووي سلمي يشمل التخصيب.قيل ان ايران ركزت على مطلب رفع العقوبات، وان واشنطن قالت مرارا انها لن تقدم ذلك الا بعد"تنازلات عميقة"من طهران.وفي اليوم نفسه صرح عراقجي بان"هناك اتفاقا على بعض القضايا واختلافات حول قضايا اخرى"، ما يعني ان البناء موجود لكن السقف السياسي لم يكتمل.
نقطة الخلاف الاكثر حساسية كانت"التخصيب".من منظور واشنطن، التخصيب ليس مجرد تقنية مدنية، بل"قدرة كامنة"يمكن ان تتحول الى مسار عسكري اذا تغير القرار السياسي.قيل بوضوح ان واشنطن تريد ان تتخلى ايران عن"كل تخصيب اليورانيوم"، بينما ترفض ايران ذلك وتصر على ان برنامجها سلمي وانها تريد اعترافا بحقها في التخصيب.اللافت ان وزير الخارجية الايراني قال في 20 فبراير ان الولايات المتحدة"لم تطلب صفرا من التخصيب"خلال محادثات جنيف في ذلك الاسبوع، بينما قال البيت الابيض في رد ان ايران"لا يمكنها التخصيب"اذا اريد منع القدرة على السلاح.هذا التناقض بين"ما يقال داخل الغرفة"و"ما يعلن للجمهور"غذى عدم الثقة وسهّل تبرير الانتقال من الدبلوماسية الى القوة.
نقطة الخلاف الثانية كانت ربط الملف النووي بملفين تعتبرهما واشنطن جزءا من"حزمة التهديد":برنامج الصواريخ الباليستية ودعم جماعات مسلحة في المنطقة.قيل ان ادارة ترامب اصرت على ادخال الصواريخ والدعم الاقليمي ضمن المفاوضات، بينما حذر مسؤولون ايرانيون من خلط"القضايا النووية وغير النووية"، واعتبروا ان التقدم ممكن اذا فصلت واشنطن بين المسارين.في هذا السياق وصف وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو رفض ايران مناقشة الصواريخ بانه"مشكلة كبيرة"يجب التعامل معها.وعندما تتحول الصواريخ الى"شرط تفاوضي"لا"موضوع لاحق"، يصبح الاتفاق اصعب، لان طهران ترى البرنامج الصاروخي جزءا من الردع وبقاء النظام، لا بندا يمكن التنازل عنه بسهولة.
السبب الثالث للهجوم اليوم مرتبط بالضغط الزمني الذي صنعته واشنطن بنفسها.في 19 فبراير قيل ان ايران يجب ان"تتوصل الى اتفاق خلال 10 الى 15 يوما"مع تحذير من"امور سيئة جدا"اذا لم يحدث ذلك، ثم في 27 فبراير اظهر في تصريحات ان الصبر ينفد، قائلا انه غير راض لان ايران"لا تريد قول الكلمات المفتاحية:لن نحصل على سلاح نووي"، وان"احيانا يجب استخدام القوة".بمعنى اخر، ربط الرئيس علنا نجاح التفاوض بعبارة سياسية رمزية، ثم اعتبر غيابها دليلا على عدم الجدية، وهو ما جعل خيار الضربة قابلا للتسويق كبديل"اضطراري"وليس اختيارا اوليا.
السبب الرابع كان عسكريا-اداريا:بناء قدرة جاهزة للتنفيذ ثم استخدامها.قيل ان الولايات المتحدة حشدت قوة كبيرة في المنطقة، بما في ذلك مجموعتان من حاملات الطائرات، وان ذلك كان ينتظر قرار التنفيذ.وعندما توجد قوة في وضع استعداد، يصبح عدم استخدامها ايضا قرارا سياسيا مكلفا اذا فشل التفاوض.كما اشير الى ان العملية كانت"مخططا لها منذ اشهر"بالتنسيق مع اسرائيل، وهو ما يعني ان خيار الضربة كان موجودا كخطة كاملة حتى قبل انهيار مسار جنيف.
اما"تفاصيل ما جرى اليوم"فتساعد على فهم ما اعتبرته واشنطن سببا مباشرا:الحديث كان عن هجوم امريكي-اسرائيلي واسع استهدف قدرات عسكرية ايرانية، وعن استهداف منظومات صاروخية وقوات بحرية، مع تحذير من امكانية سقوط ضحايا امريكيين، ودعوة للحرس الثوري للاستسلام مع وعود بالحصانة لمن يسلم، ودعوة للايرانيين"لاستعادة بلدهم".في المقابل قيل ان الرد الايراني شمل صواريخ ومسيرات استهدفت اسرائيل واصولا امريكية في المنطقة، ما يوضح ان الحساب الامريكي لم يكن"ضربة بلا رد"، بل قبول مسبق بمخاطر الرد والتصعيد.
هنا تظهر نقطة تحليلية مهمة:لماذا لم تكن"التفاصيل التفاوضية"كافية لمنع الحرب؟ لان نقاط الخلاف كانت تمس"جوهر السيادة"لدى الطرفين.بالنسبة لواشنطن، منع ايران من امتلاك"قدرة"نووية ومن تطوير صواريخ قادرة على تهديد القوات والحلفاء هو جوهر الامن الاقليمي وصدقية الردع.وبالنسبة لطهران، التخصيب هو رمز حق سيادي وبرنامج وطني، ورفع العقوبات هو شرط اقتصادي وسياسي، والصواريخ هي ركيزة ردع تعتبرها ضرورية للبقاء في بيئة عدائية.وعندما تكون هذه العناصر غير قابلة للتجزئة، يصبح التفاوض شديد الهشاشة:يمكن الاتفاق على"مبادئ عامة"و"اجراءات بناء ثقة"، لكن تحويلها الى التزامات محددة يعلق عند السؤال:من يتنازل اولا؟ ومن يضمن ما بعد التنازل؟
كما ان الوساطة العمانية، رغم دورها في ابقاء القناة مفتوحة، بدت عاجزة عن سد فجوة الثقة بين"لغة التطمين"و"لغة الضمانات".قيل ان التقدم تحقق وان محادثات تقنية كان يفترض ان تعقد في فيينا الاسبوع التالي، لكن في الوقت نفسه لم تقدم تفاصيل عن تجاوز العقبات.ومن جهة ثانية، كان داخل الادارة قدر من التشاؤم حول فرص التوصل لاتفاق، وهو ما يجعل"خطوة القوة"اليوم مفهومة كترجمة لذلك التشاؤم الى قرار.
الخلاصة ان اسباب الهجوم الامريكي اليوم لا تختصر في سبب واحد، بل في تراكب ثلاثة محاور:تفاوض بلا اختراق حول التخصيب والصواريخ ورفع العقوبات، ضغط زمني وخطابي جعل الفشل مكلفا سياسيا، واستعداد عسكري متقدم نضج الى قرار بالتنفيذ بالتنسيق مع اسرائيل.اما تفاصيل المفاوضات الاخيرة فتكشف ان الخلاف لم يكن على"حجم تنازل صغير"، بل على تعريف ما هو"السلمي"في برنامج نووي، وما هو"غير قابل للتفاوض"في قدرات الردع، ومن يربح اولا:رفع العقوبات ام القيود الدائمة.وبقدر ما كانت جنيف مساحة لافكار"ايجابية"و"مبادئ توجيهية"، كانت ايضا محطة اخيرة اظهرت ان الطرفين لم يلتقيا بعد على صيغة واحدة لمعنى الامن والضمان.

التعليقات