أزمة التعليم الجامعي وسوق العمل في العالم العربي: فجوة المهارات

ازمة التعليم في العالم العربي ليست نقص شهادات، بل فائض تعليم لا يقود الى عمل.

أزمة التعليم الجامعي وسوق العمل في العالم العربي: فجوة المهارات

مقدمة

يشهد العالم العربي ازمة متفاقمة في تصميم التعليم الجامعي ومدى مواءمته مع سوق العمل الحديث. فمع ارتفاع معدلات بطالة الشباب الى مستويات هي الاعلى عالميا حيث يقدّر معدل بطالة الشباب بحوالي 25%–30%، اصبحت الشهادة الجامعية لدى كثيرين رمزا لـ"البطالة المقنعة" بدلا من كونها مفتاحا لسوق العمل. تشير الاحصاءات الى مفارقة مقلقة: نحو 40% من خريجي الجامعات في المنطقة عاطلون عن العمل، في حين يشكو ارباب العمل من صعوبة العثور على مهارات مناسبة لشواغرهم. هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول جذور الفجوة بين التعليم العالي واحتياجات الاقتصاد، وحول الثمن الاجتماعي والاقتصادي لاستمرارها.

المحور الاول: ازمة التصميم التعليمي – لماذا ينتج التعليم الجامعي خريجا غير قابل للتشغيل؟

المشكلة لا تنحصر في ضعف مهارات الطلاب الشخصية فحسب، بل تمتد الى تصميم وهيكلة المنظومة الجامعية ذاتها. تاريخيا، بُني التعليم الجامعي العربي وفق نموذج يخدم وظيفة اجتماعية اقتصادية محددة: تخريج اعداد كبيرة من حملة الشهادات لتلبية طلب القطاع العام. فقد كانت الدولة هي "رب العمل" الاساسي للخريجين، مما رسّخ نموذج "شهادة لاجل الوظيفة الحكومية" بدلا من "مهارة لاجل سوق ديناميكي". في هذا السياق، لم تكن نوعية التخصص او المهارات العملية اولوية ما دام الحصول على الشهادة كافيا لضمان وظيفة حكومية. وهكذا اتجه كثير من الطلاب الى تخصصات نظرية تقليدية واسهل نسبيا، كالادب والعلوم الاجتماعية والادارة العامة، على حساب التخصصات العلمية والتقنية، لان الاولى تضمن لهم ورقة الشهادة المطلوبة دون تحد كبير. والنتيجة هي وفرة من الخريجين في مجالات مشبعة مقابل نقص في تخصصات حيوية يحتاجها الاقتصاد الحديث كالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

الى جانب ذلك، يتسم المنهج الجامعي في معظمه بالجمود وضعف المرونة. المناهج ثابتة لا تتكيف سريعا مع التحولات التقنية والاقتصادية، والتعليم يتم باسلوب تقليدي قائم على التلقين والحفظ اكثر من التركيز على التفكير النقدي او التطبيق. تشير تقارير دولية الى ان التدريب الجامعي في المنطقة لا يزال يؤكد المعرفة النظرية والتكرار والاستظهار على حساب المهارات العملية والابداعية. على سبيل المثال، يشتكي ارباب العمل من افتقار الخريجين للمهارات "الناعمة" كالابتكار والعمل الجماعي، نتيجة هيمنة ثقافة التلقي وعدم التشجيع على النقاش وحل المشكلات في الفصول الدراسية. وقد بين تقرير للبنك الدولي ان خريجي الجامعات العربية عموما يفتقرون للتدريب في التخصصات التقنية الحديثة التي تتوفر فيها الوظائف، كما تنقصهم مهارات الابداع والتفكير الحر بسبب اعتماد التدريس على التذكر بدل التحليل.

كما اسهمت عوامل كالمركزية والبيروقراطية وضعف استقلالية الجامعات في تفاقم الفجوة. فالقرارات الاكاديمية كتحديث المناهج او استحداث تخصصات جديدة غالبا ما تخضع لوزارة التعليم العالي ومعايير موحدة، ما يجعل الاستجابة للتطورات بطيئة وثقيلة. ان الفصل بين الجامعة والقطاع الخاص احد ابرز اسباب قصور المنظومة، حيث ان الشراكات المؤسسية مع الصناعة واصحاب العمل محدودة. المناهج تطوّر في كثير من الاحيان في معزل عن حاجات السوق الفعلية، ونادرا ما يشرك ارباب العمل في صياغتها او في توفير تدريب عملي للطلاب. هذا الانفصال اوجد حلقة مفرغة من نقص الثقة، فالجامعات واساتذتها لا سيما في التعليم التقني يميلون للتحصن بالاطر الاكاديمية التقليدية، فيما فقد الكثير من اصحاب الاعمال الثقة بنوعية مخرجات التعليم ولم يعودوا يكترثون للتواصل مع الجامعات. وعليه، غاب التنسيق المنهجي بين "العرض" التعليمي و"الطلب" الوظيفي، ما ادى الى استمرار تخريج كوادر بتخصصات ومعارف لا تتوافق مع متطلبات الاقتصاد الجديد.

ومن مظاهر هذه الفجوة البنيوية ايضا نموذج "الشهادة مقابل المهارة". ففي الثقافة المجتمعية السائدة، ما زال الحصول على المؤهل الجامعي يعد غاية بحد ذاته لضمان المكانة الاجتماعية والوظيفية، بغض النظر عن جودة المهارات المكتسبة. هذا النموذج ترسخ عبر عقود كانت فيها الشهادة بمثابة "جواز سفر" الى الوظيفة الحكومية المضمونة. اما اليوم، وفي ظل اقتصاد سوق اكثر انفتاحا وتنافسية، اصبح التركيز العالمي ينصب على ما يمتلكه الفرد من كفاءة حقيقية وليس مجرد ورقة التخرج. لكن الكثير من الجامعات العربية لم تنتقل بعد الى نموذج تعليم قائم على نواتج التعلم واكتساب المهارات الملموسة. فالتعلم القائم على المشاريع وحل المشكلات الحقيقية ما زال ضعيفا، والتدريب العملي خلال الدراسة محدود او شكلي، والتعليم متعدد التخصصات نادر بالرغم من اهميته لفهم تعقيدات الاقتصاد الحديث.

ومن الامثلة الصارخة على اتساع الفجوة بين المناهج الجامعية والتحولات التقنية، التاخر النسبي في ادماج مجالات الثورة الصناعية الرابعة كالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والاقتصاد الرقمي في البرامج الدراسية. فعلى الرغم من الطفرة العالمية في هذه الميادين، ظلت العديد من الكليات في العالم العربي تدرّس محتوى تقليديا لا يشمل احدث التطورات، مما يترك الخريجين غير ملمين بمهارات باتت اساسية في العديد من الوظائف الجديدة. وفي المحصلة، تعاني الجامعة العربية من انتاج "معرفة نظرية" بمعزل عن تحويلها الى قيمة اقتصادية. اي ان هناك فجوة بين ما يتعلمه الطالب وبين ما يمكن توظيفه فعليا في سوق العمل لانتاج مردود اقتصادي او ابتكار تقني. هذا الخلل البنيوي في تصميم التعليم يفسر لماذا نجد خريجين يحملون شهادات لكنهم "غير قابلين للتشغيل" بمعايير السوق الحالية.

المحور الثاني: سوق عمل متحول وجامعة ثابتة – مهارات القرن الحادي والعشرين الغائبة

يتسم سوق العمل في المنطقة العربية اليوم بتحولات متسارعة وجذرية بفعل التكنولوجيا والعولمة والتغيرات الديموغرافية، حتى وُصف المشهد بأنه "وظائف جديدة مقابل تخصصات قديمة". لم يعد ارباب العمل يبحثون عن مجرد حفظ للمعرفة، بل عن قدرة على التعلم المستمر، والتكيف مع اوضاع متغيرة، والعمل في بيئات رقمية متعددة التخصصات. المهارات المطلوبة فعليا تشمل التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة والعمل الجماعي والتواصل الفعال والمهارات الرقمية المتقدمة والتعلم الذاتي السريع. على سبيل المثال، يقدّر منتدى الاقتصاد العالمي ان نصف المهارات التي يمتلكها العاملون اليوم ستتغير خلال خمس سنوات نتيجة الاتمتة والذكاء الاصطناعي، مما يفرض الحاجة الى اعادة تاهيل مستمرة. في المقابل، لا تزال غالبية الجامعات العربية تعمل بعقلية القرن العشرين، حيث المناهج جامدة والتركيز على التخصص الضيق، وطريقة التعليم تقليدية. الفجوة الزمنية هنا واضحة: السوق يتحرك بسرعة العصر الرقمي، اما الجامعة فما زالت بطيئة الايقاع، تستخدم اساليب قديمة لاعداد خريجيها.

الدلائل على هذه الفجوة عديدة. فبحسب استطلاع حديث، يرى 46% من اصحاب العمل في الشرق الاوسط وشمال افريقيا ان خريجي الجامعات يفتقرون الى المهارات اللازمة للنجاح الوظيفي، وخاصة في مجالات التواصل والتعاون والتفكير التحليلي وحل المشكلات. هذا يعني ان قرابة نصف اصحاب العمل غير راضين عن مخرجات التعليم الحالي ولا يعتبرون الشهادة مؤشرا كافيا على جاهزية الخريج. بل ان بعض الشركات بدات بتصميم اختبارات ومقابلات تقيّم مهارات المتقدمين مباشرة بدلا من الاعتماد على سجلاتهم الاكاديمية.

من جهة اخرى، ظهرت مفارقة "خريجون بلا وظائف ووظائف بلا خريجين". فالكثير من المؤسسات تعلن عن فرص عمل لا تجد من يشغلها لندرة المهارات المطلوبة محليا، حتى في ظل وجود عدد كبير من العاطلين من حملة الشهادات. على سبيل المثال، في مصر رغم ارتفاع البطالة رسميا فوق 10%، هناك ما يقارب 600 الف وظيفة شاغرة لا تجد المرشحين المناسبين بسبب الفجوة في المهارات. وبالتوازي، ترتفع البطالة بين المتعلمين مقارنة بغير المتعلمين في عدة دول عربية، على عكس النمط العالمي. اذ تشير بيانات الى انه في بعض البلدان العربية تزيد معدلات البطالة كلما ارتفع مستوى التعليم، حتى ان ربع العاطلين عن العمل هم من خريجي الجامعات. هذا الواقع الغريب يبيّن مدى عدم توافق التعليم العالي مع احتياجات التوظيف، حيث تصبح الشهادة عبئا اذا لم تترافق مع مهارات قابلة للتسويق.

احدى التحولات المهمة في سوق العمل الحديث هي ظهور وظائف الاقتصاد الرقمي التي لا تتطلب شهادات تقليدية بقدر ما تتطلب مهارات تقنية متقدمة. فقد شهدنا في السنوات الاخيرة نموا لوظائف جديدة مثل تطوير البرمجيات، وتصميم التجربة الرقمية، وتحليل البيانات الضخمة، والتسويق الالكتروني، وغيرها من المهن التي يمكن اكتساب مهاراتها عبر مسارات بديلة عن الجامعة التقليدية. المنصات التعليمية المفتوحة ومعاهد التدريب السريع اصبحت توفر مسارات مكثفة لتاهيل الشباب في مجالات محددة خلال شهور بدلا من سنوات الدراسة الاكاديمية. على سبيل المثال، تنتشر منصات مثل كورسيرا ويوديمي ويوداسيتي التي تقدم دورات وشهادات مهنية معتمدة من شركات كبرى، واصبح بعض اصحاب العمل ينظرون اليها بجدية تفوق ما ينظرون الى كثير من الشهادات الجامعية التقليدية.

بالمحصلة، يبدو ان سوق العمل اصبح يقيّم الكفاءة والمهارة العملية فوق اسم الجامعة او ورقة الشهادة. فالقرن الحادي والعشرون عنوانه المرونة والتجديد، بينما معظم الجامعات العربية ما زالت تعمل وفق قالب تقليدي ثابت. ولذا نرى خريجين يواجهون صعوبة في التوظيف لان ما يحملونه من معارف لا يواكب بيئة عمل متغيرة بوتيرة سريعة. هذه الفجوة الزمنية والوظيفية بين سرعة السوق وبطء الجامعة تزيد من اتساع عدم التطابق بين العرض والطلب، وتضعف من قدرة الاقتصاد على الاستفادة من طاقات شبابه المتعلم.

المحور الثالث: النتائج الاجتماعية والاقتصادية للفجوة – بطالة الخريجين، هجرة العقول، واعادة تعريف قيمة التعليم

ان استمرار التباعد بين مخرجات التعليم الجامعي وسوق العمل ينتج سلسلة من التداعيات الخطيرة اجتماعيا واقتصاديا. اول هذه التداعيات هو بطالة الخريجين المزمنة او نقص التشغيل. ترتفع معدلات البطالة بين حملة الشهادات في معظم الدول العربية الى مستويات تنذر بالخطر، وتتجاوز احيانا بطالة الاقل تعليما. فمثلا بلغ معدل البطالة بين خريجي الجامعات في تونس نحو 24% في اواخر عام 2022. وفي مصر تشير البيانات الحديثة الى ان اكثر من 80% من اجمالي العاطلين هم من اصحاب المؤهلات المتوسطة والعليا، بمعنى ان حملة الشهادات يمثلون غالبية من لا يجدون عملا. هذه الارقام تعكس اختلالا هيكليا، حيث اصبح التعليم العالي مرتبطا ببطالة اعلى بدل ان يحمي منها. وبالطبع تتفاقم الازمة بين النساء، اذ غالبا ما تكون بطالة الاناث المتعلمات ضعف بطالة الذكور. في تونس مثلا قدّر معدل بطالة الخريجات بحوالي 31% مقابل 16% للخريجين الذكور. وفي مصر تفوق بطالة الشابات المتعلمات 37% مقابل اقل من 10% للذكور. هذا يعني ان النظام التعليمي الحالي يهدر قدرات شريحة واسعة من الشباب، وخاصة الشابات، اللواتي استثمرن في التعليم دون ان يجدن عائدا في سوق العمل.

ثانيا، ادى الاحباط من انسداد الافق الوظيفي محليا الى تصاعد موجات الهجرة بين الشباب المتعلم. اذ تشير استطلاعات حديثة الى ان اكثر من نصف الشباب في شمال افريقيا والمشرق يفكرون بالهجرة سعيا لفرص افضل. في استطلاع "الشباب العربي 2023"، صرح 53% من الشباب في دول المشرق و48% في دول شمال افريقيا انهم اما يحاولون بالفعل الهجرة او يفكرون جديا بها. والسبب الابرز الذي يدفعهم لذلك هو البحث عن وظيفة وفرصة تحقق طموحاتهم. هذه النزعة تعني ان الافا من خيرة الكفاءات العربية اما تغادر سنويا او تخطط للرحيل، وهو ما يشكّل نزيفا حادا لراس المال البشري الذي تحتاجه المنطقة لتحقيق التنمية. ان هجرة العقول لا تحرم الاقتصادات المحلية من المهارات الشابة فحسب، بل تمثل ايضا انعكاسا لتاكل ثقة الجيل الجديد في قدرة بلدانهم على تامين مستقبل مهني لائق لهم. وفضلا عن الهجرة الخارجية، هناك ايضا من "يهجرون" التعليم نفسه او ينصرفون الى اعمال هامشية لا تستفيد من مؤهلاتهم، كتوجه بعض الخريجين للعمل في وظائف متدنية او في القطاع غير الرسمي والبقاء في دائرة الاقتصاد الهش.

ثالثا، تتسبب هذه الفجوة التعليمية بتغيير نظرة الشباب والمجتمع الى قيمة التعليم ذاته. فبعد ان كانت الشهادة الجامعية تعد راس مال اجتماعي يمنح حاملها مكانة وفرصا، بات كثير من الخريجين يشعرون بانها اصبحت "عبئا نفسيا واقتصاديا". فالخريج العاطل لا يعاني فقط من ضائقة مالية، بل ايضا من تبعات اجتماعية ونفسية كفقدان الثقة وانخفاض احترام الذات وربما النظرة السلبية من المحيطين به على انه "اضاع سنوات في التعليم بلا جدوى". وقد اشار تقرير اقليمي الى ان 80% من الشباب المستطلع رايهم يرون ان جامعاتهم لم تعدهم بشكل كاف لسوق العمل، مما يعني خيبة امل واسعة وانتشار قناعة بان المسار التعليمي الرسمي غير فعال عمليا. هذه القناعة خطيرة لانها قد تدفع البعض الى العزوف عن التعليم العالي تماما، او البحث عن بدائل سريعة واكثر نفعية كما ذكرنا. وبهذا تنشا طبقية جديدة بين من يستطيع الحصول على مهارات من خارج النظام التعليمي عبر التدريب الخاص او الدراسة في الخارج مثلا، وبين من يعتمد فقط على التعليم العام المحلي. وهذا يهدد العدالة الاجتماعية، اذ تتسع الفجوة بين فئة تملك الموارد لتطوير مهاراتها وفئة اخرى تكتفي بما تقدمه لها الجامعة المحلية، وغالبا ما يكون متواضعا، فتعلق في دائرة البطالة. يضاف الى ذلك ان بعض الاسر باتت تنظر بحذر الى جدوى الانفاق على تعليم الابناء اذا كانت المحصلة لقب ماجستير او دكتوراه دون عمل، وهذا قد يقوض الايمان المجتمعي بدور التعليم كرافعة تنمية.

باختصار، ثمن التباعد بين الجامعة والسوق باهظ على الفرد والمجتمع والدولة. بطالة مرتفعة بين المتعلمين تبدد الموارد البشرية، وهجرة عقول تفقد البلدان طاقات شابة احوج ما تكون اليها، وتاكل للثقة بمنظومة التعليم الرسمية قد يؤدي لتفكك الرابط التقليدي بين التعليم والارتقاء الاجتماعي. ان استمرار هذه الفجوة دون معالجة يهدد باطالة امد الركود الاقتصادي النسبي وبتقويض الطموحات التنموية في العالم العربي، فضلا عن خطر اهتزاز العقد الاجتماعي القائم على وعود التعليم والتوظيف كحق من حقوق المواطنة.

خاتمة واستشراف

ان تشخيص الازمة بهذا الشكل الحاد يسلط الضوء على حاجة ملحة و"دعوة للاستيقاظ" لصانعي السياسات وقادة التعليم في العالم العربي. فلا يمكن للاقتصادات العربية تحمل اهدار المزيد من طاقات شبابها بين تعليم لا يثمر ومواهب تهاجر خارج الحدود. المطلوب هو ردم الفجوة عبر تحول جذري في كل من التعليم وسوق العمل. ينبغي اعادة تصميم المناهج الجامعية لتصبح اكثر ديناميكية ومرونة، تركز على المهارات القابلة للتوظيف وليس مجرد المعرفة النظرية. وهذا يتضمن ادخال اساليب تعليم تفاعلية كالتعلم بالمشروع والتدريب التعاوني، وتشجيع التفكير النقدي وحل المشكلات كاهداف اساسية في كل التخصصات.

كما يتطلب الامر بناء جسور قوية بين الجامعات وقطاعات العمل من خلال اشراك اصحاب العمل في تصميم البرامج الدراسية وتوفير فرص تدريب عملي واقامة حاضنات اعمال داخل الجامعات. وفي الوقت ذاته، يحتاج سوق العمل الى التطوير ليستوعب الابتكار والشركات الناشئة ويوفر مناخا يمكّن الشباب من تطبيق مهاراتهم، بدل الاعتماد المفرط على التوظيف الحكومي او استقطاب الخبرات الاجنبية. بعض الدول باشرت خطوات واعدة كاطلاق استراتيجيات وطنية للمهارات المستقبلية وتعديل سياسات التعليم لتشجيع التعليم التقني والتطبيقي، لكن المطلوب تعميم هذه الجهود وتسريع وتيرتها.

ان رهان التنمية العربي في العقود القادمة هو على تحويل هذا الكم من الشباب المتعلم الى نوعية منتجة تبتكر وتنافس في الاقتصاد المعرفي العالمي. فاذا نجحنا في مواءمة التعليم مع حاجات القرن الحادي والعشرين عبر تحديث المحتوى التعليمي، وتاهيل المعلمين، وتحرير الجامعات من القيود البيروقراطية، واطلاق العنان للشراكات مع قطاع الاعمال، عندها فقط يمكن تحويل جامعاتنا من عبء اقتصادي الى محرك للتنمية. بالمقابل، ان اخفقنا في ذلك، فسنبقى ندور في حلقة مفرغة من بطالة واحباط وهجرة، يهدر فيها اثمن مورد تمتلكه الامة، وهو عقول ابنائها. الخلاصة ان مستقبل العقد الاجتماعي والاستقرار والازدهار في العالم العربي مرهون اليوم باعادة تعريف دور الجامعة، من مجرد مانح للشهادات الى شريك فعلي في بناء اقتصاد قائم على المهارة والمعرفة.

 

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
أزمة التعليم الجامعي وسوق العمل في العالم العربي-فجوة المهارات.pdf
291.5 KB