لم يعد المحتوى اليوم يطلب منّا وقتًا، بل يطلب منا "نقرة". في زمن الاطلاع السريع (Snackable Content)، صارت المعرفة تُقدَّم كقطع صغيرة: فيديو 15 ثانية، ملخص في سطرين، "كاروسيل" بخمس نقاط، أو خبر عاجل بلا سياق. هذه الصيغة تبدو بريئة، بل مفيدة أحيانًا: فهي تمنحنا وصولًا سريعًا للمعلومة وسط حياة مزدحمة. لكن السؤال الأهم ليس هل هذا المحتوى مفيد؟ بل: ماذا يفعل هذا النمط بذائقتنا الثقافية وبطريقة تفكيرنا؟ وهل يمكن أن تتحول الثقافة نفسها إلى نسخة "مختصرة" من العالم، بلا عمق ولا تميّز؟
قوة الاطلاع السريع تكمن في أنه يلتقط الانتباه بسرعة، ويمنح إحساسًا فوريًا بالإنجاز: "تعلمت شيئًا جديدًا". غير أن هذا الإحساس قد يكون مضللًا، لأن المعرفة ليست مجرد معلومة، بل علاقة مع سياق وأسباب ونتائج. عندما تتكرر الجرعات الصغيرة، يبدأ الدماغ بتفضيل المكافأة السريعة على الجهد الطويل: نعتاد العناوين بدل الكتب، والاقتباس بدل المقال، والخلاصة بدل الفكرة. ليس هذا اتهامًا أخلاقيًا للمحتوى القصير، بل توصيف لتحول في "تدريب الانتباه": الانتباه يصبح سريع التنقل، قليل الصبر، عالي الحساسية للملل. وعندها لا يصبح العمق صعبًا فقط، بل يصبح "غير جذاب" في ذائقتنا الجديدة.
تأثير هذا التحول على الذائقة الثقافية يظهر في ثلاثة مستويات. الأول هو مستوى القراءة والتعلم: تزداد مهارة التقاط الفكرة العامة، لكن تقل مهارة بناء الفهم المتماسك. كثيرون يعرفون "عن" الموضوعات أكثر مما يعرفونها "من الداخل". يتجمع لديهم رصيد واسع من المعارف المتناثرة، لكنه غير قادر على إنتاج تحليل أو رأي متماسك. المستوى الثاني هو الاستمتاع الثقافي: الفن والأدب والفكر يحتاجون وقتًا كي يكشفوا قيمتهم. عندما تصبح الذائقة متعودة على الإيقاع السريع، قد يبدو الفيلم البطيء "مملًا"، والرواية الطويلة "ثقيلة"، والمحاضرة العميقة "مبالغة". نحن لا نفقد القدرة على الاستمتاع فقط، بل نفقد معيار الحكم نفسه: نخلط بين العمق وبين البطء، وبين التميّز وبين التعقيد. المستوى الثالث هو التميّز الثقافي: الثقافة الثرية تتطلب اختلافًا في الأسلوب والمعنى، بينما المحتوى السريع ينجح غالبًا عبر القوالب المتكررة: نفس الافتتاحية الصادمة، نفس النقاط الثلاث، نفس الجمل الحاسمة. ومع الوقت، تتشابه الأصوات وتضعف الفرادة، لأن المنصة تكافئ "ما ينجح" لا "ما يختلف".
ومع ذلك، ليس المطلوب إعلان حرب على المحتوى القصير. المشكلة ليست في القِصر بحد ذاته، بل في تحوله إلى الشكل المهيمن الذي يزاحم كل الأشكال الأخرى. يمكن للاطلاع السريع أن يكون "بوابة" للمعرفة: شرارة تفتح شهية القراءة، أو خريطة طريق تقود إلى مصادر أعمق. لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول إلى "بديل" عن العمق. الفرق بين الباب والبديل هو ما يحدد مصير الذائقة الثقافية.
السؤال إذن ليس: هل نلغي المعلومة في 15 ثانية؟ بل: هل نسمح لها أن تصبح معيارًا لكل معرفة؟ إذا رضينا بفكرة سطحية عن العالم، فسنحصل على عالم سهل الاستهلاك، لكنه صعب الفهم. أما إذا استعدنا توازن الذائقة—أن نأخذ السريع كإشارة، والطويل كمعنى—فيمكن للمحتوى القصير أن يظل مفيدًا دون أن يقتل عمق التفكير ولا تميّز الثقافة.

التعليقات