بيرو: "فضيحة لقاءات سرية" تطيح برئيس انتقالي خلال 4 اشهر

في بيرو، لم تُسقط الاتهامات رئيسًا انتقاليًا بقدر ما أسقطته أزمة ثقة ناتجة عن لقاءات غير شفافة في بيئة سياسية هشة.

بيرو: "فضيحة لقاءات سرية" تطيح برئيس انتقالي خلال 4 اشهر

في واحدة من أسرع عمليات الإطاحة برئيس دولة في العصر الحديث، قرّر الكونغرس البيروفي في 17 فبراير 2026 عزل الرئيس الانتقالي خوسيه خيري بعد أقل من أربعة أشهر في منصبه، في واقعة أثارت صدمة داخل بيرو وخارجها.جاء هذا القرار وسط فضيحة سياسية واسعة اشتهرت محليًا باسم"Chifagate"—نسبة إلى مطاعم تقدم طعامًا من أصل صيني—بعد تسريبات وصور ومقاطع أظهرت الرئيس وهو يجري اجتماعات سرية مع رجال أعمال صينيين خارج السجلات الرسمية وبدون إعلان مسبق، مما أثار شبهات فساد واستغلال نفوذ أدّت إلى تحقيقات عاجلة وعزله تحت بند"العجز الأخلاقي"من الكونغرس البيروفي.هذه التحوّلات السياسية الدراماتيكية لم تكن مجرد حادثة مفردة، بل تجسيدًا لأزمة أعمق في المؤسسات السياسية في بيرو، التي تشهد دورة متكررة من الاضطرابات الحكومية والإقالات المتعاقبة منذ سنوات طويلة.لكن تفاصيل هذه الفضيحة، وكيف تسرّبت الاجتماعات، وما هو جوهر الاتهامات، هي ما جعلها واحدة من أكثر الأزمات السياسية إثارة في بيرو قبل أسابيع قليلة من الانتخابات العامة المقررة في 12 أبريل 2026.

خوسيه خيري، البالغ من العمر 39 عامًا، هو سياسي بيروفي درس القانون وتدرّج في مناصب حكومية وبرلمانية عدة قبل أن يصبح رئيسًا للكونغرس.عندما تم عزل الرئيسة السابقة دينا بولوارتي في 10 أكتوبر 2025 لأسباب تتعلق بـ"العجز الأخلاقي"، ولم يكن لديها نائب رئيس، تولّى خيري منصب الرئيس المؤقت لبيرو بصفته رئيسًا للكونغرس تطبيقًا للترتيب الدستوري.بدأ خيري ولايته الانتقالية بالتعهّد بمكافحة الجريمة وتعزيز الاستقرار في بلد انتقل عبره سبعة رؤساء خلال العقد الأخير، ما جعل من رئاسة بيرو منصبًا هشًا سياسيًا يتغير بشكل متكرر.وبينما كانت ولايته متوقعة أن تكون قصيرة، سرعان ما انقلبت التوقعات بظهور تقارير عن لقاءات غير معلنة بينه وبين رجال أعمال صينيين أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية في بيرو.

بدأت القصة في أواخر ديسمبر 2025 عندما تم تسريب صور ومقاطع فيديو، بعضها من كاميرات أمنية، تُظهر خيري وهو يدخل إلى مطعم صيني في وقت متأخر من الليل مرتديًا غطاء رأس وقناعًا للقاء رجل أعمال صيني يدعى Zhihua Yang في مكان يُعرف محليًا باسم"chifa"، وهو مطعم صيني بيروفي.هذه اللقاءات لم تكن مُدرجة ضمن السجلات الرسمية للرئاسة، ولم يُعلن عنها في جدول الاجتماعات العامة، ما أثار الكثير من علامات الاستفهام حول سبب عقدها، ومن الذي حضرها، وما الذي تم التباحث حوله.وفقاً لتقارير إعلامية محلية، كان Yang رجل أعمال يمتلك امتيازات في مشاريع طاقة واتصالات، وقد ورد اسمه سابقًا ضمن دائرة متعلقة بمناقصات حكومية وشبكات أعمال مقربة من السلطة.كما لاحظت الصحافة ومراقبو الشأن العام أن أحد الحاضرين في أحد الاجتماعات الأخرى كان Ji Wu Xiaodong، شخصًا مرتبطًا بشبكات تجارة خشب غير قانونية وكان موضوعًا تحت الإقامة الجبرية.

الأحداث لم تقتصر فقط على اللقاءات نفسها، بل على طريقة إدارتها وردّ خيري عليها أمام الجمهور.في البداية، حاول التقليل من شأن الاجتماعات، وقال إنها"عفوية"أو"ظروف عرضية"، حتى أنه وصفها بأنها جزء من التخطيط لفعاليات ثقافية مثل"يوم الصداقة بين بيرو والصين".غير أن التحقيقات الأولية التي بدأتها الجهات القضائية في بيرو أشارت إلى شبهات حول استغلال النفوذ وتدخلات قد تكون مرتبطة بمنح امتيازات أو عقود حكومية، وهو ما يُعد شكلًا من أشكال الفساد السياسي الخطير، خصوصًا حين يتعلق الأمر بعلاقات مع رجال أعمال تربطهم مصالح في مشاريع بنية تحتية كبيرة في البلاد.كما ظهر أن الخلاف حول هذه اللقاءات تصاعد على خلفية التوتر الدبلوماسي بين الولايات المتحدة والصين، إذ إن بيرو تُعد شريكًا اقتصاديًا مهمًا للصين، لا سيما في مشاريع الموانئ والطاقة، مما جعل من هذه اللقاءات موضوعًا حساسًا سياسيًا ودبلوماسيًا في آنٍ واحد.

الأكثر إثارة للجدل هو أن هذه الاجتماعات لم تُسجَّل في السجلات الرسمية للرئاسة، ولم يُعلَن عنها في جدول الأعمال المعلن للزيارات الرئاسية.هذا جعل منتقدي خيري يتهمونه بالتستر على لقاءات قد تحمل مصالح شخصية أو مصالح لجهات غير معلنة، وهو اتهام شديد الخطورة لرئيس يفترض أن يلتزم بالشفافية في إدارة الدولة.الصحافة المحلية نشرت صورًا ومقاطع تظهر خيري وهو يدخل أماكن مغلقة في أوقات غير معتادة، ما عزّز رواية أن هناك ما يُخفيه أمام الجمهور والكونغرس.

بحلول 17 فبراير، توصل الكونغرس إلى أن ما قام به خيري يرقى إلى مستوى"العجز الأخلاقي"، وهو مصطلح دستوري يستخدم في بيرو لعزل الرئيس عندما يفقد الثقة أو يتورّط في ممارسات تضر بالثقة العامة.وفي جلسة حادّة، صوت البرلمان لصالح عزله بـ 75 صوتًا مؤيدًا، مقابل 24 صوتًا معارضًا، و3 امتناعات، وهو ما يُظهر أغلبية واضحة ضد الرئيس المؤقت.تجدر الإشارة إلى أن العملية لم تُستخدم عبر آلية العزل التقليدية المبنية على المادة 113 من الدستور التي تتطلب أغلبية خاصة، بل تم تنظيمها كتصويت بعدم الثقة في قدراته كرئيس للكونغرس، الأمر الذي سحب منه السلطة الرئاسية بشكل تلقائي وفقًا للإجراءات الدستورية الخاصة بالانتقالات.

عزل خيري جعله الرئيس الثالث على التوالي الذي يُقصى من منصبه في فترة قصيرة، مما يعكس حالة عدم استقرار سياسي عميق في بيرو.اختار الكونغرس سريعًا خوسيه ماريا بالكازار رئيسًا مؤقتًا جديدًا حتى إجراء الانتخابات العامة في أبريل 2026، لكن هذا الاختيار أثار بدوره جدلًا سياسيًا واسعًا داخل بيرو بسبب مواقف سابقة لبعض البرلمانيين، مما أضاف طبقة جديدة من الاستقطاب.فضيحة اللقاءات السرية أعمق من مجرد عنوان فقدان منصب؛ فقد كشفت عن شبكة شائكة من العلاقات بين السياسيين ورجال الأعمال الذين تربطهم مصالح كبيرة في مشاريع استراتيجية مثل الطاقة والموانئ، في ظل توازن دقيق بين القوى الدولية الكبرى على الساحة الاقتصادية والسياسية البيروفية.

فضيحة خيري تعكس تحديات بيرو الأكبر في التعامل مع الشفافية، وسلطات البرلمان، ودور رجال الأعمال في العملية السياسية.الاجتماعات السرية التي لم تُسجَّل ولم تُعلن، وتفسيرها من قبل الرئيس بأنها ظروف عادية، أظهرت فجوة واضحة بين توقعات الجمهور من القيادة وبين سلوك بعض المسؤولين.كما أن التوقيت، قبل انتخابات حاسمة بأسابيع، يجعل من هذه القضية حدثًا سياسيًا ذا أثر ممتد، ليس فقط على شخصية خيري وحده، بل على الثقة العامة في المؤسسات الديمقراطية في بيرو التي تواجه اختبارًا حقيقيًا في الحفاظ على نزاهة الحكم واختبار حدود النفوذ الاقتصادي داخل القرارات السياسية.

لا يتوقف المتابعون للشأن العام في بيرو عند مجرد سقوط رئيس انتقالي بعد أربعة أشهر، بل يرون في فضيحة"Chifagate"نموذجًا لأزمة أعمق في البنية السياسية، حيث تتلاقى الفساد، والنفوذ الاقتصادي، والمصالح الدولية، وضعف المؤسسات في مشهد يكرّس حالة من عدم الثقة في النخب الحاكمة ويُلقي بظلاله على الانتخابات القادمة.وهي تذكير صارخ بأن الشفافية في التعاطي مع القوى الاقتصادية الدولية والأسئلة المتعلقة بالولاء والمصلحة العامة تبقى من أكبر التحديات التي تواجه الأنظمة الديمقراطية الحديثة في بيرو، وربما في المنطقة بأسرها.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)