في مثل هذا اليوم (7 يناير 1789): كيف وُلدت اول انتخابات رئاسية اميركية؟

أول انتخابات رئاسية أميركية لم تُبنَ على صوت الناس، بل على الخوف من صوتهم.

في مثل هذا اليوم (7 يناير 1789): كيف وُلدت اول انتخابات رئاسية اميركية؟

في مثل هذا اليوم 7 يناير 1789 لم يكن الاميركيون يستعدون للتوجه الى صناديق اقتراع لاختيار رئيسهم كما نعرف اليوم.ما حدث كان ابسط شكلا، واعقد اثرا:الكونغرس حدّد هذا اليوم كموعد نهائي لكي تختار كل ولاية"الناخبين الرئاسيين"الذين سيجتمعون لاحقا للتصويت داخل ما اصبح يعرف باسم"المجمع الانتخابي".كانت تلك هي الخطوة العملية الاولى في اول انتخابات رئاسية في تاريخ الولايات المتحدة، انتخابات لم تُبن على التصويت الشعبي المباشر، بل على صيغة اختيار غير مألوفة حتى بمعايير ذلك الزمن.

الفكرة الاساسية كانت ان الشعب لا ينتخب الرئيس مباشرة، بل يختار(او تختار الولاية باسمه)مجموعة من الاشخاص، هؤلاء هم من يمنحون اصواتهم للرئيس.بعد ذلك باسابيع، في 4 فبراير 1789، صوّت الناخبون، وفاز جورج واشنطن بالاجماع، ثم ادّى اليمين رئيسا في 30 ابريل من العام نفسه.لم تكن هناك حملات انتخابية، ولا مناظرات، ولا حتى تنافس فعلي، لكن القاعدة التي وُضعت آنذاك هي التي صنعت كل ما جاء بعدها.

لماذا اختار مؤسسو الولايات المتحدة هذه الصيغة المعقدة؟ السبب لم يكن تقنيا فقط، بل سياسيا واجتماعيا.الدولة الجديدة كانت اتحادا من ولايات تختلف في الحجم والسكان والمصالح.وكان الخوف قائما من امرين متناقضين:من جهة، هيمنة الولايات الكبرى اذا جرى انتخاب الرئيس بالتصويت الشعبي المباشر، ومن جهة اخرى، تحكّم النخب السياسية اذا جرى الاختيار داخل البرلمان فقط.فجاء"المجمع الانتخابي"كحل وسط:يمنح الولايات دورا، ويترك مساحة لمشاركة شعبية محدودة، ويضع طبقة فاصلة بين الناس والقرار النهائي.

لكن هذه الصيغة لم تكن موحّدة حتى داخل الدولة نفسها.بعض الولايات سمحت بتصويت شعبي لاختيار الناخبين، بينما تركت ولايات اخرى القرار لمجالسها التشريعية.في نيويورك مثلا، فشل البرلمان المحلي في الاتفاق، فلم تشارك الولاية اصلا في اول انتخابات.ورغم كل ذلك، مضت العملية قدما، لان الهدف الاساسي لم يكن الكمال، بل تثبيت مبدأ انتقال السلطة وفق قواعد مكتوبة.

هنا تكمن زاوية الاثارة الحقيقية:عندما تختار دولة"كيف تختار"، فهي لا تصمم انتخابا واحدا فقط، بل تصمم ازماتها المستقبلية.لان القرار يمر عبر طبقة وسيطة، يتحول الصراع السياسي مع الزمن من سؤال"من يريد الناس؟"الى اسئلة مثل:كيف توزّع الاصوات؟ اي الولايات تصبح حاسمة؟ وماذا يحدث اذا فاز مرشح بالتصويت الشعبي وخسر في المجمع الانتخابي؟ هذه التناقضات لم تكن واضحة عام 1789، لكنها كانت كامنة في التصميم نفسه.

ومع صعود الولايات المتحدة كقوة عالمية، لم يبق هذا النموذج شأنا داخليا.اصبح موضع نقاش عالمي:دول تراه ضمانة لتوازن الجغرافيا، ودول تعتبره دليلا على ان الديموقراطية قد تتحول الى صراع قواعد واجراءات.في كل ازمة انتخابية اميركية كبرى، تعود قصة 1789 الى الواجهة، لا بوصفها حدثا تاريخيا، بل كنقطة بداية لجدل لم يُحسم بعد.

الخلاصة التي يتركها لنا 7 يناير 1789 بسيطة وعميقة في آن واحد:السياسة ليست فقط اختيار اشخاص، بل اختيار القواعد التي تحكم هذا الاختيار.وحين تكون القواعد معقدة، قد تنجح في منع الفوضى، لكنها قد تصنع توترا دائما…ينتقل من بلد الى آخر، ومن قرن الى قرن.



 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)