على حافة الهاوية: قراءة تحليلية في لحظة التصعيد الاميركي–الايراني في فبراير 2026

نحن لا نشاهد حربًا مؤكدة… بل توازنًا هشًا قد ينهار بخطأ واحد.

على حافة الهاوية: قراءة  تحليلية في لحظة التصعيد الاميركي–الايراني في  فبراير 2026

التصعيد الاميركي–الايراني في فبراير 2026 يبدو اقرب الى"ازمة قرار"منه الى حدث عسكري محسوم، لان ما يظهر على سطح التغطية هو تزاوج مقصود بين ضغط عسكري علني ومسار تفاوضي هش، بحيث يحاول كل طرف رفع كلفة الرفض عند الطرف الاخر دون ان يدفع تلقائيا الى نقطة اللاعودة.في هذا النوع من الازمات، تتحول التحركات العسكرية من مجرد استعدادات ميدانية الى رسائل سياسية متعددة الطبقات:رسالة ردع للخصم، ورسالة طمأنة للحلفاء، ورسالة داخلية للرأي العام، ورسالة تفاوضية تقول"لدينا خيارات اخرى".لذلك، حين تتحدث منصات اليوم عن "جاهزية لضربات خلال ايام" و "حشود وتحركات غير مسبوقة"، فالادق تحليليا هو فهمها كجزء من ادارة المخاطر والاوراق على طاولة التفاوض، لا كاعلان موعد نهائي مؤكد، مع بقاء احتمال الانزلاق قائما اذا فشلت قنوات التهدئة او حدثت واقعة ميدانية تفرض ردودا متسلسلة.

احدث التقارير الموثوقة تشير الى ان الولايات المتحدة عززت تموضعها العسكري في الاقليم عبر اصول بحرية وجوية، بما يرفع جاهزية تنفيذ خيارات محدودة او اوسع اذا صدر قرار سياسي، مع تأكيد متكرر في التقارير نفسها ان قرار الضربة لم يحسم بعد.هذا التفصيل مهم:الجاهزية شيء، والقرار السياسي شيء اخر، وبينهما عادة مساحة مساومات كبيرة تتعلق بحسابات الرد الايراني، وحماية القوات المنتشرة، وتماسك التحالفات، والاثر على الاقتصاد العالمي، واحتمال اتساع الاشتعال الى اكثر من ساحة.وفي المقابل، يظهر من تغطيات اليوم ان طهران ايضا تسعى الى ارسال اشارات قوة، عبر مناورات وتنسيق بحري مع روسيا في نطاق خليج عمان والمحيط الهندي، وهو نمط كلاسيكي لرفع سقف الرسائل الردعية والتأكيد على ان اي عمل عسكري لن يكون"تكلفة مجانية".

ضمن هذا المشهد، تلعب المفاوضات النووية دور"حافة السكين".فحين تكون المحادثات معلقة او تتقدم ببطء، يصبح الاستعراض العسكري وسيلة لتعديل ميزان التنازلات:واشنطن تريد اقناع طهران ان تكلفة المماطلة قد ترتفع بسرعة، وطهران تريد اقناع واشنطن ان تكلفة الضغط قد ترتفع ايضا.التحليل الذي تقدمه بعض القراءات المتخصصة اليوم يشير الى ان"الخطوط الحمراء"للطرفين تجعل الوصول الى صفقة شاملة صعبا، لكن ذلك لا يلغي امكانية ترتيبات مرحلية او تفاهمات جزئية تخفف التوتر وتمنع الانفجار، وهو ما يفسر لماذا تستمر اشارات الدبلوماسية حتى مع ارتفاع وتيرة الحشد.

المؤشر اللافت في تغطية 19 فبراير هو دخول اطراف دولية على خط التحذير من التصعيد.فروسيا، التي تربطها شراكة استراتيجية مع ايران وتملك مصلحة مباشرة في منع حرب واسعة قرب خطوط الملاحة والطاقة، دعت علنا الى ضبط النفس وحثت على الحلول الدبلوماسية، مع تمييزها بين مناورات بحرية"مخطط لها" وبين التطورات المتسارعة في التوتر.هذا الموقف ليس مجرد خطاب مبدئي، بل هو انعكاس لتقدير كلفة حرب قد تعيد خلط الاوراق في اسواق الطاقة وتفتح مواجهات بالوكالة وتدفع الاطراف الى مزيد من الاستقطاب.

اما لماذا يتصاعد الحديث عن"عمل عسكري خلال ايام" تحديدا، فهنا ينبغي قراءة عاملين معا:الاول هو منطق "النافذة الزمنية" الذي يظهر غالبا في التسريبات والتقارير، حيث تستخدم عبارة"خلال ايام"لخلق ضغط تفاوضي ورفع الجدية دون الالتزام بموعد نهائي، والثاني هو ان كثافة الاصول العسكرية المنتشرة تخلق تلقائيا شعورا بان خيار الضربة صار اقرب، حتى لو كان الهدف الحقيقي هو الردع وتحصين الموقف التفاوضي. تقارير صحافية اليوم تحدثت عن ان مسؤولين امنيين ابلغوا الرئيس الاميركي بان الجيش"جاهز"لتنفيذ ضربات في اقرب وقت، مع بقاء القرار النهائي غير متخذ.هذا يضعنا امام سيناريو شائع:استعداد عملياتي لتقوية اليد السياسية، لا اعلان حرب.

مع ذلك، لا يمكن التقليل من مخاطر الانزلاق.اخطر ما في ازمات"حافة الهاوية"ان كل طرف يحاول ان يبدو غير قابل للابتزاز، ما قد يدفعه الى خطوات رمزية عالية المخاطر.وفي هذه الحالة تحديدا، هناك ثلاثة مسارات قد تقود الى تصعيد سريع حتى لو لم يكن مقصودا:خطا تقدير نوايا الطرف الاخر بسبب ضبابية الرسائل، حادث ميداني في البحر او الجو يفرض ردودا فورية حفاظا على"المصداقية"، او انهيار المسار التفاوضي بطريقة مفاجئة تجعل احد الطرفين يرى ان التصعيد هو البديل الوحيد لمنع خسارة سياسية داخلية.

المنطقة هي الحلقة الاكثر حساسية في حسابات التصعيد، لان اي ضربة–حتى لو صممت على انها "محدودة"–تحمل احتمال ردود تمتد عبر مسارات متعددة: استهداف مصالح او قواعد، تهديد الملاحة، او توسيع نطاق الاشتباك عبر ساحات اقليمية متشابكة.ولهذا السبب بالذات، تركز بعض التقارير على اعادة تموضع قوات ورفع جاهزية دفاعات جوية وصاروخية وتقليل تعرض الافراد للخطر، وهي اشارات على ان المخططين لا ينظرون فقط الى لحظة الضربة بل الى "اليوم التالي" واحتمالات الرد.

اقتصاديا، حتى مجرد تصاعد التكهنات يترك اثره عبر"علاوة مخاطر" على الطاقة والشحن والتامين، ويؤثر على شهية المستثمرين للمخاطرة، ويزيد حساسية الاسواق تجاه اي خبر عن المضائق او استهداف سفن او تعطيل خطوط امداد.لهذا نلاحظ ان تغطيات اقتصادية عالمية اليوم تربط حالة الاسواق العالمية بهذا التوتر، ليس لان الحرب مؤكدة، بل لان الاسواق تتفاعل مع الاحتمال، ومع عدم اليقين تحديدا.

وفق معطيات اليوم، يمكن بناء ثلاثة سيناريوهات مرجحة دون الدخول في تفاصيل تشغيلية:سيناريو"ضغط دون ضرب"حيث يستمر الحشد مع فتح باب تفاهم مرحلي يمنع الانفجار ويحفظ ماء الوجه؛ سيناريو"ضربة محدودة" تهدف الى تغيير حسابات التفاوض وردع خطوات محددة، لكنها تحمل خطر الرد المتبادل واتساع الاشتعال؛ وسيناريو"تدهور سريع"نتيجة حادث او قرار سياسي مفاجئ يؤدي الى سلسلة ردود يصعب كبحها.ترجيح اي سيناريو يتوقف على مؤشرات قريبة المدى مثل:لغة الخطاب الرسمي خلال الساعات القادمة، طبيعة الوساطة الدولية، اي اعلان عن جولة تفاوض جديدة او تعليقها، وحجم اجراءات الحماية للقوات والمدنيين في نقاط التماس.

الخلاصة ان تصعيد 19 فبراير 2026 هو لحظة توازن هش بين الردع والدبلوماسية، وفيها تستخدم القوة كوسيلة تفاوض بقدر ما تستخدم كخيار اخير."الانية"في الحدث لا تعني ان الحرب واقعة لا محالة، لكنها تعني ان هامش الخطا اصغر، وان اي خطوة غير محسوبة قد تقلب التوتر من ضغط سياسي الى مواجهة.في مثل هذه الازمات، اكثر ما يحتاجه المتابع هو التمييز بين الجاهزية والقرار، وبين الرسالة والحدث، وبين الضجيج الاعلامي والمؤشرات الصلبة.وما دام القرار النهائي غير معلن، وما دامت قنوات التفاوض لم تغلق تماما، فالمشهد يظل مفتوحا على احتمالات متعددة، اخطرها الانزلاق غير المقصود، واكثرها عقلانية تسوية مرحلية تمنع الانفجار وتؤجل الحسم الى جولة تفاوض جديدة.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
على حافة الهاوية_ قراءة  تحليلية في لحظة التصعيد الاميركي–الايراني في  فبراير 2026.pdf
103.5 KB