يُعد جيفري إبستين إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الأميركي الحديث، ليس فقط بسبب الجرائم التي اتُّهم بها، بل بسبب المسار غير التقليدي لصعوده الاجتماعي والمالي، وبسبب شبكة العلاقات الواسعة التي أحاطت به داخل دوائر المال والسياسة والأوساط الأكاديمية.تحوّل اسمه بعد وفاته عام 2019 إلى رمز لفشل مؤسسي مركّب، حيث تداخل الغموض المالي مع إساءة استخدام النفوذ، ومع قصور واضح في منظومات العدالة والرقابة.فهم“من هو إبستين”يتطلب إذن تجاوز التوصيف السريع كمجرم جنسي، نحو تحليل بنيوي لكيفية نشوء سلطته غير الرسمية، ولماذا استمر لسنوات طويلة دون محاسبة حاسمة.
وُلد إبستين عام 1953 في بروكلين بمدينة نيويورك لأسرة من الطبقة المتوسطة، ولم يُكمل مسارا جامعيا نخبويا واضحا كما هو شائع بين ممولي وول ستريت.مع ذلك، حصل في أوائل السبعينيات على وظيفة مدرس رياضيات في مدرسة دالتون الخاصة المرموقة في مانهاتن، وهو موقع وفر له احتكاقا مباشرا بأبناء عائلات ثرية ونخبوية.هذه المرحلة، التي قد تبدو عادية، كانت حاسمة في بناء شبكته الاجتماعية الأولى، إذ شكّلت بوابة انتقاله من التعليم إلى عالم المال.لاحقا، التحق ببنك الاستثمار"بير ستيرنز"، حيث تعلّم أساسيات العمل المالي، قبل أن يغادر ليؤسس كيانا خاصا لإدارة الثروات، قدّمه باعتباره“مكتبا استشاريا”لعدد محدود جدا من العملاء فاحشي الثراء.
المسألة الأكثر إثارة للتساؤل في سيرة إبستين تتعلق بمصادر ثروته الفعلية.فخلافا لمديري الصناديق التقليديين، لم يكن لديه سجل استثماري شفاف، ولا منتجات مالية معروفة، ولا قاعدة عملاء معلنة.تشير تحقيقات صحفية مطولة، خاصة لصحيفة The New York Times، إلى أن علاقته بالملياردير الأميركي ليسلي وكسنر كانت مركزية في صعوده، إذ منحه الأخير صلاحيات مالية استثنائية وغير مألوفة، شملت إدارة أصول بمليارات الدولارات، وشراء عقارات باسمه، ومنحه تفويضا واسعا(power of attorney).هذا الدور عزّز مكانته بوصفه“ممول النخبة”، وخلق حوله هالة من الغموض والقوة الرمزية، حيث صار يُنظر إليه كوسيط للوصول إلى عالم مغلق من النفوذ والمال، حتى دون فهم واضح لكيفية عمله.
بحلول التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، توسّعت شبكة إبستين الاجتماعية لتشمل سياسيين سابقين، ورجال أعمال، وأكاديميين، وشخصيات عامة. وقد استثمر هذه العلاقات في تعزيز صورته كراعٍ للبحث العلمي والعمل الخيري، فأسس مؤسسات ومنحا بحثية، وارتبط اسمه بمشاريع أكاديمية.غير أن هذا "القناع الخيري" لم يكن منفصلا عن نمط استغلالي خطير.ففي الخلفية، بدأت تتراكم شكاوى تتعلق باستغلال قاصرات، خصوصا في ولاية فلوريدا، حيث اتُّهم باستدراج فتيات قاصرات إلى منزله بذريعة“جلسات تدليك”، قبل الاعتداء عليهن جنسيا.هذه الاتهامات لم تكن هامشية، بل موثقة في إفادات متعددة ومتسقة.
عام 2008 شكّل محطة مفصلية في تاريخ القضية، حين توصّل الادعاء في فلوريدا إلى اتفاق إقرار بالذنب (plea deal) مع إبستين وُصف على نطاق واسع بأنه“استثنائي التساهل”.بموجب هذا الاتفاق، أقرّ بتهمة واحدة مخففة، وقضى عقوبة محدودة شملت الحبس الجزئي، مع منحه حصانة واسعة من ملاحقات فدرالية محتملة، بل وحتى من ملاحقات بحق“متآمرين محتملين”.لاحقا، خضع هذا الاتفاق لتدقيق رسمي من وزارة العدل الأميركية، التي خلص تقريرها إلى أن طريقة التعامل مع القضية شابها سوء تقدير جسيم، وأن حقوق الضحايا لم تُحترم كما ينبغي.هذه المرحلة كشفت بوضوح كيف يمكن للنفوذ القانوني والمالي أن يؤثر في مسار العدالة.
لم تُغلق قضية إبستين فعليا بعد 2008، بل بقيت كامنة حتى أعيد فتحها بقوة عام 2019، عندما وجه الادعاء الفدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك اتهامات مباشرة له بالاتجار الجنسي بقاصرات والتآمر على ذلك.هذه المرة، كان الإطار القانوني مختلفا، والاتهامات أشمل، وتشمل شبكة تنظيمية لتسهيل الاستغلال عبر موظفين ومساعدين.غير أن هذا المسار القضائي انتهى فجأة بوفاة إبستين داخل زنزانته في سجن مانهاتن في أغسطس 2019، قبل بدء المحاكمة.
وفاته داخل الحجز تحولت بدورها إلى قضية عامة مستقلة، غذّت سيلا من الشكوك والتأويلات.إلا أن التحقيق الرسمي الذي أجراه مكتب المفتش العام لوزارة العدل، ونُشر عام 2023، خلص إلى أن الوفاة صُنّفت رسميا على أنها انتحار، مع توثيق سلسلة إخفاقات جسيمة في إجراءات الحراسة والمراقبة داخل السجن، شملت نقصا في الطاقم، وتعطّل الكاميرات، وعدم الالتزام بالبروتوكولات.أهمية هذا التقرير لا تكمن فقط في استنتاجه النهائي، بل في إبرازه فشلا مؤسسيا مركّبا، بعيدا عن السرديات غير الموثقة.
بعد وفاة إبستين، استمر المسار القضائي من خلال محاكمة شركائه.أبرز ذلك كان إدانة غزلين ماكسويل، التي وُصفت بأنها شريكته الأساسية في تجنيد الضحايا وتنظيم شبكة الاستغلال، وحُكم عليها عام 2022 بالسجن 20 عاما. هذه الإدانة أكدت أن ما عُرف بـ“قضية إبستين”لم يكن انحرافا فرديا معزولا، بل منظومة استغلال ممنهجة، اعتمدت على تسهيل اجتماعي ومالي طويل الأمد.
خلاصة القول إن جيفري إبستين لم يكن مجرد ممول غامض انتهى كمجرم مدان، بل حالة كاشفة لتشابك المال والنفوذ مع ثغرات العدالة. قصته تبيّن كيف يمكن لشخص بلا سجل مهني تقليدي أن يصعد عبر الغموض والعلاقات، وكيف يمكن للنخب والمؤسسات أن تفشل في كشف أو كبح إساءة استخدام السلطة، حتى تصبح الفضيحة بحجم يهزّ الثقة العامة. لذلك، فإن دراسة "من هو إبستين" ليست فقط سيرة فرد، بل مرآة لأزمة أوسع في آليات المحاسبة داخل المجتمعات الديمقراطية المعاصرة.

التعليقات