حياة من يعمل عن بُعد دون مكان ثابت تبدو، على الورق، كحلم عصري:لا مكتب يفرض عليك مكانا، ولا طريق صباحي يسرق وقتك، ولا مدينة واحدة تحدد شكل يومك.يكفي جهاز ووصلة انترنت لتصير قادرا على العمل من غرفة ضيوف، او شرفة مطلة، او مقهى في حي لا يعرف اسمك بعد.لكن هذه المرونة التي تُباع بوصفها حرية كاملة تحمل في داخلها مفارقة صعبة:كلما تحررت من المكان، صار عليك ان تدفع ثمن“اللا مكان”في شعورك بالانتماء.
في جانبها المضيء، تمنح هذه الحياة قدرة غير مسبوقة على اعادة تنظيم الوقت.حين يغيب المكتب كمساحة اجبارية، يصبح اليوم قابلا للتشكيل وفق الايقاع الشخصي:ساعات تركيز عميق، ثم انقطاع مقصود، ثم عودة للعمل.كثيرون يشعرون انهم استعادوا جزءا من حياتهم حين تخلصوا من الازدحام والروتين.كما ان الانتقال بين المدن يفتح افقا اقتصاديا:اختيار سكن اقل كلفة، او الاقتراب من العائلة فترة، او تجربة العيش في مكان لطالما كان مؤجلا.هنا تتحول“المرونة”من رفاهية الى استراتيجية حياة:تقليل الضغط، تحسين المزاج، وربما توسيع الخبرة الثقافية.
لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المرونة الى غياب حدود.المكتب التقليدي، رغم قسوته، كان يرسم خطا واضحا بين العمل والحياة.اما العمل المتنقل فيمزج الخطين حتى يختفي الفاصل.حين لا يوجد مكان محدد للعمل، يصبح كل مكان قابلا لان يتحول الى مكتب، وكل وقت قابلا لان يصير وقت عمل.يتسلل البريد والمهام الى الليل، ثم الى عطلة نهاية الاسبوع، ثم الى لحظات كان يفترض ان تكون“حياة صافية”.المفارقة انك قد تعمل اكثر لا لان احدا فرض ذلك، بل لانك دائما قادر على العمل، ودائما متاح، ودائما تشعر ان انجازا صغيرا اضافيا ممكن.
اما فقدان الجذور، فهو الجانب الاكثر خفاء في هذه الحياة.الجذور ليست جدرانا فقط، بل شبكة تفاصيل صغيرة تصنع معنى الاستقرار:جار تعرفه، طريق تحفظه، متجر يبادلك التحية، ومكان تشعر فيه ان وجودك طبيعي لا يحتاج تبريرا.العامل عن بُعد، حتى لو بقي في المدينة نفسها، يعيش خارج هذه الشبكة.يومه لا يرتبط بحركة الحي، ولا بايقاع الناس، ولا بلحظات مشتركة.يعمل بينما الاخرون يعملون، ويستريح بينما المدينة مستيقظة، ويتحرك خارج الزمن الاجتماعي العام.
هكذا تتشكل حالة غريبة:استقرار مكاني بلا انتماء فعلي.تعرف المدينة، لكنك لا“تسكنها”اجتماعيا.علاقاتك المهنية افتراضية، وزملاؤك في مدن اخرى، ونجاحاتك لا تُرى في محيطك المباشر.ومع الوقت، قد يشعر العامل ان حياته تتكون من“نسخ قصيرة”:ايام متشابهة، علاقات سطحية، وتفاعل اجتماعي محدود لا يتطور الى عمق.ليس لانه لا يريد، بل لان نمط العمل نفسه لا ينتج فرصا تلقائية للجذور.
الخلاصة ان العمل عن بُعد لا يسلب الجذور مباشرة، لكنه يجعلهاغير تلقائية.ما كان يحدث تلقائيا عبر المكتب والزملاء والروتين اليومي، صار يحتاج جهدا واعيا:خلق طقوس ثابتة، بناء علاقات خارج العمل، حماية وقت غير رقمي، وربط الذات بالمكان بقرارات مقصودة.فالمرونة وحدها لا تصنع حياة متوازنة، والجذور لا تنمو في الفراغ.وبينهما، يعيش العامل على الانترنت تحديا جديدا:كيف يكون حرا…دون ان يكون عالقا بين مكانين، حتى وهو في المكان نفسه.

التعليقات