هذا الكتاب لا يروي حربا، بل يكشف ما وراءها.يأخذك ايلان بابيه الى الكواليس حيث تُصنع القرارات، ويقترح قراءة صادمة لما جرى عام 1948:لم يكن نزوحا عشوائيا فرضته الفوضى، بل سياسة ازاحة سكانية مُعدّة سلفا.عبر وثائق، خرائط، وخطط عسكرية، يرسم بابيه صورة مشروع هدفه افراغ الارض من سكانها الاصليين لاعادة تشكيل الواقع الديموغرافي.قوة الكتاب ليست في التفاصيل وحدها، بل في جرأته على تغيير زاوية النظر:حين نغيّر اسم ما حدث، نغيّر اسئلة الاخلاق والمسؤولية والمستقبل.التطهير العرقي ليس كتاب تاريخ تقليدي، بل دعوة لفهم كيف يمكن لقرار سياسي ان يصنع ذاكرة طويلة، وصراعا لا ينتهي.
تخيل انك تدخل غرفة ارشيف باردة، تفتح درج ملفات قديمة، فتجد شيئا يشبه“خريطة سرية”لبلد كامل:صفحات عن قرى، طرق، عيون ماء، تلال، اسماء عائلات، وملاحظات صغيرة عن“من يسكن هنا”و”كيف يدخل اليها”.من هذه الصورة الافتتاحية يبدا كتاب ايلان بابيه التطهير العرقي:ليس بوصفه حكاية حرب فقط، بل بوصفه حكاية“تحضير”طويل انتهى الى لحظة حاسمة غيّرت حياة مئات الالوف، ورسخت صراعا لم ينته بعد.
الفكرة المركزية عند بابيه واضحة وحادة:ما حدث عام 1948 لا يمكن فهمه فقط كنتاج جانبي للحرب، بل كسياسة ممنهجة هدفها افراغ اكبر قدر ممكن من السكان العرب من اكبر قدر ممكن من الارض.هو لا يكتفي بوصف“نزوح”او“لجوء”؛ بل يصر على استخدام عدسة تحليلية محددة:استبدال“نموذج الحرب”بـ“نموذج التطهير العرقي”في قراءة 1948، لان هذا التبديل يغيّر طبيعة السؤال الاخلاقي والسياسي:هل نحن امام فوضى حرب، ام امام مشروع ازاحة سكانية له منطق وادوات؟
كيف يبني بابيه هذا الادعاء؟ يعتمد على مسارين متوازيين:مسار التخطيط ومسار التنفيذ.في مسار التخطيط يسلط الضوء على مشروع استخباراتي مبكر سماه“ملفات القرى”(Village Files)في سنوات 1940–1947:جمع معلومات تفصيلية عن القرى العربية، خرائط وبيانات وملامح اجتماعية.ثم يربط ذلك بسلسلة خطط عسكرية بلغت ذروتها في خطة دالت(Plan Dalet)، التي يراها بابيه نقطة انعطاف:منطقها ليس فقط“الدفاع”بل تهيئة واقع ديموغرافي جديد عبر السيطرة على مناطق وافراغها.
اما مسار التنفيذ فياتينا على هيئة سرد زمني:قرارات، عمليات، موجات تهجير، قرى تخلى عنها اهلها تحت ضغط الخوف او الطرد او انهيار الحماية، ثم واقع جديد يُفرض بعد ذلك.بابيه يصف“مطبخ القرار”عبر مجموعة يسميها“الاستشارية”(The Consultancy):دائرة ضيقة من اشخاص كانت تجتمع او تتشاور حول كيفية ادارة المرحلة، ويقدّمها كعقل منظم للسياسة التي يسميها تطهيرا عرقيا.المراجعات الاكاديمية للكتاب تشير الى ان بابيه يطرح هذه المجموعة وخطة دالت بوصفهما جزءا اساسيا من حجته، ويعتبرهما“قرينة قوية”على وجود نية وسياسة، لا مجرد مصادفة حرب.
وهنا يفتح بابيه نافذة مقارنة مهمة:هو لا يتعامل مع“التطهير العرقي”كشعار، بل كمفهوم له تعريف منهجي في ادبيات القانون الدولي، مرتبط بسياسة تهدف الى ازالة جماعة من اقليم معين على اساس الهوية القومية او الدينية او الاثنية، غالبا عبر العنف او التهديد به، وبالعادة ضمن عمليات عسكرية.ومن اجل تثبيت المفهوم، يقارن بابيه احيانا بما حدث في البوسنة في التسعينات:ليس ليقول ان التاريخين متطابقان، بل ليقول ان“لغة الوصف”يجب ان تكون من جنس الفعل:ازاحة سكانية منظّمة، لا هجرة عفوية.
لكن الكتاب ليس فقط“حجج ووثائق”.قوته السردية في انه يصر على سؤال الذاكرة:كيف يُمحى حدث بهذا الحجم من الضمير العام؟ هنا يصبح الكتاب اقرب الى قصة نزاع على الرواية:رواية تقول“غادروا لان الحرب اشتعلت”، ورواية تقول“دُفعوا الى المغادرة ضمن سياسة”.بابيه يعتبر ان عدم تبني“عدسة التطهير العرقي”ساعد، تاريخيا، على استمرار الانكار او التخفيف من المسؤولية، لان الحرب تتيح دائما ذريعة:“هكذا هي الحروب”.بينما تسمية الفعل باسمه تفتح بابا مختلفا:اعتراف، مساءلة، ثم بحث عن عدالة انتقالية او تسوية اخلاقية وسياسية.
ولكي نفهم لماذا اثار الكتاب ضجة، يجب ان نضعه داخل جدل اوسع في كتابة تاريخ 1948.موسوعة بريتانيكا تلخص ان حرب 1948 تُذكر فلسطينيا بوصفها“النكبة”بسبب التهجير الواسع الذي نتج عنها، بينما تُذكر اسرائيليا بوصفها“حرب الاستقلال”، ما يعني ان الحدث نفسه يعيش في ذاكرتين متصادمتين.
بابيه ينتمي الى تيار من“المؤرخين الجدد”الذين اعادوا قراءة ارشيفات الدولة وناقشوا مسؤوليات الحرب ونتائجها، لكن ميزته انه يدفع الاستنتاج الى اقصاه الاخلاقي:ليست مجرد نتائج قاسية، بل سياسة ازاحة ينبغي الاعتراف بها كجريمة تاريخية.
ومع ذلك، يبقى سؤال الكتاب الاكثر عمقا ليس:“ماذا حدث؟”فقط، بل:“ماذا يعني ان نعترف بما حدث؟”بابيه يختم رسالته الضمنية بان مستقبل اي تسوية لا يمكنه ان يتجاوز 1948 كحادثة مغلقة؛ لانها تحولت الى بنية مستمرة في حياة الناس:لجوء، ذاكرة، احساس بالانكار، وصراع على الشرعية.ومن هنا يكتب كمن يرسل رسالة الى جمهورين معا:الى من عاشوا التجربة ويريدون لغة تعترف بها، والى من يخافون من الاعتراف لانه يهدد اسطورة تاسيسية.وهو يراهن ان الاعتراف، مهما كان صعبا، قد يكون المدخل الوحيد لتخيل“مستقبل مشترك”لا يقوم على انكار الماضي.

التعليقات