في بريطانيا، تحولت "قضية بيتر ماندلسون المرتبطة بملف إبستين"خلال اسابيع قليلة من ضجة وثائق مسربة الى ازمة سياسية متعددة المستويات، بعد ان اعتقلته شرطة لندن للاشتباه في"سوء السلوك في المنصب العام "ثم افرجت عنه لاحقا من دون توجيه تهمة حتى الان، في مسار فتح اسئلة محرجة حول فحص الخلفيات عند التعيينات العليا، وحول كلفة العلاقات القديمة عندما تعود الى الواجهة عبر وثائق رسمية جديدة.ماندلسون ليس اسما هامشيا: هو سياسي عمالي مخضرم ووزير سابق، وشغل مناصب عليا بينها سفير بريطانيا لدى الولايات المتحدة في فترة قريبة قبل ان تتم اقالته، كما شغل سابقا دورا اوروبيا بارزا، ما جعل اي شبهة تمس سلوكه في"المنصب العام "تتحول فوريا الى اختبار لصدقية الحكومة وادواتها الرقابية.
الشرارة المباشرة جاءت من دفعة جديدة من وثائق وزارة العدل الاميركية المتعلقة بجيفري إبستين، والتي قالت رويترز انها تضمنت مراسلات توحي بان علاقة ماندلسون بإبستين كانت"اقرب"مما كان معروفا سابقا، واثارت اسئلة عن احتمال مشاركته معلومات حكومية حساسة مع إبستين خلال ازمات مالية سابقة، فضلا عن مزاعم مرتبطة بتلقيه اموالا.في اوائل فبراير، افادت رويترز ان الحكومة البريطانية احالت مواد الى الشرطة، وان شرطة العاصمة (متروبوليتان) فتحت تحقيقا بعد تلقي تقارير عن "سوء السلوك في المنصب العام"، وهو توصيف قانوني شديد الحساسية لانه يتعلق باستغلال المنصب او خرق واجباته.
لاحقا، في 23 فبراير، نقلت رويترز عن صحيفة التايمز ان الشرطة اقتادت ماندلسون من منزله الى مركز شرطة في لندن، ثم اعلنت رويترز انه افرج عنه بعد الاستجواب. وفي 24 فبراير، قالت رويترز ان محامييه اعتبروا ان الاعتقال جاء بعد"افتراضات لا اساس لها"بانه كان يخطط لمغادرة البلاد، وان ماندلسون افرج عنه من الحجز. ثم في 26 فبراير، تحدثت رويترز عن الاطار الذي اتفقت عليه الحكومة مع الشرطة بشأن نشر وثائق تتعلق بتعيينه سفيرا في 2024، في اشارة الى ان القضية لم تعد فقط تحقيقا جنائيا، بل ايضا ملفا سياسيا يتعلق بما عرفته الحكومة وما فحصته قبل التعيين.
تفاصيل "ماذا بالضبط يُشتبه به" بقيت محدودة علنا، لكن خيوط القصة كما عرضتها رويترز تتركز حول مزاعم بان ماندلسون شارك او سرّب معلومات رسمية حساسة الى إبستين في سياق ازمة مالية، وان وثائق اخرى توحي بتحويلات مالية او مدفوعات مرتبطة به.رويترز ذكرت على نحو صريح ان الملفات الجديدة "بدت" وكأنها تظهر تلقيه اموالا وتسريب وثيقة احاطة حكومية سرية، ما اعاد طرح السؤال الذي يطارد اي مسؤول سابق:هل كانت العلاقة مجرد معرفة اجتماعية، ام قناة نفوذ غير رسمية لمسائل دولة؟
الجانب الاكثر اثارة سياسيا ان هذه الشبهات ارتطمت مباشرة بقضية "التعيينات العليا"وشرعيتها. فماندلسون كان قد عُين سفيرا لدى واشنطن ثم اقيل لاحقا بعد تصاعد الانتقادات حول علاقته بإبستين، بحسب ما اوردته رويترز وتقارير اخرى.ومع عودة الملف عبر وثائق اميركية جديدة، لم يعد الجدل يدور حول تصرف فرد فقط، بل حول جودة اجراءات التدقيق:من الذي اوصى؟ ماذا كان معروفا وقتها؟ وهل جرى تقييم مخاطر السمعة والامن والثقة العامة كما ينبغي؟
هذا المسار انفجر داخل الحكومة نفسها.ففي 8 فبراير، نقلت رويترز ان رئيس موظفي رئيس الوزراء، مورغان مكسويني، استقال وسط ازمة متصاعدة مرتبطة بفضيحة ماندلسون-إبستين، وقال ان تعيين ماندلسون جاء"بناء على نصيحته"، ما يعني ان التكلفة لم تعد خارجية فقط (انتقادات معارضة واعلام)، بل داخلية تضرب مركز اتخاذ القرار.وبعدها بيوم، ذكرت رويترز ايضا استقالة مدير الاتصالات في داونينغ ستريت في سياق الضغط السياسي نفسه، بينما رفض رئيس الوزراء الاستجابة لدعوات تطالبه بالاستقالة. هنا تتضح طبيعة الازمة:ليست"قضية جنائية"منفصلة عن السياسة، بل تآكل ثقة يتغذى من قرارات تعيين سابقة وتداعياتها.
الاكثر حساسية ان القضية سرعان ما خرجت من نطاق لندن-واشنطن لتفتح بابا اوروبيا.وكالة الاسوشيتد برس تحدثت في 26 فبراير عن ان الاتحاد الاوروبي بدأ تحقيقا رسميا عبر مكتب مكافحة الاحتيال(OLAF) بشأن سلوك ماندلسون حين كان مفوضا للتجارة في بروكسل، على خلفية مزاعم تتعلق بمشاركة معلومات"مميزة"مع إبستين قد تؤثر في الاسواق.صحيفة الغارديان تحدثت في اليوم نفسه عن تحقيقات اوروبية وذكرت مزاعم مشاركة معلومات سرية خلال فترة عمله في بروكسل.حتى لو ظل كثير من التفاصيل محل نزاع، مجرد انتقال الملف الى مسارين رقابيين (شرطة بريطانية/تدقيق وثائق تعيين+اهتمام اوروبي بمرحلة بروكسل) يعطي القضية ثقلا اضافيا ويجعلها اكثر من"فضيحة علاقات".
داخل بريطانيا، احدى اكثر النقاط حساسية كانت مسألة الوثائق:من يملك حق نشر وثائق التدقيق والتعيين؟ رويترز ذكرت ان لجنة الاستخبارات والامن في البرلمان (ISC)، وهي لجنة مستقلة عن الحكومة، باتت تسيطر على عملية نشر مواد التدقيق المتعلقة بتعيين ماندلسون، وان بعض الوثائق قد يبدأ نشرها في مارس وفق اطار متفق عليه مع الشرطة. هذا التفصيل مهم لانه يضع الحكومة في موقع دفاعي: فالوثائق لن تُنشر فقط عبر قنوات حكومية قابلة للتحكم السياسي، بل تحت سلطة لجنة برلمانية مستقلة، ما يزيد احتمالات ظهور فجوات او تناقضات في رواية"ما كان معروفا ومتى".
هناك عنصران يفسران لماذا التقطت القضية هذا الزخم: الاول هو "عودة ملف إبستين" عبر وثائق اميركية رسمية، ما يمنح القصة شرعية مصدرية قوية ويصعب التعامل معها كاشاعة؛ والثاني هو ان ماندلسون يمثل نموذجا للعلاقات المتشابكة بين السياسة والمال والنفوذ عبر الحدود، وهي مساحة يزداد فيها قلق الجمهور من ان قنوات غير منتخبة قد تؤثر في القرار العام.لذلك، حتى قبل الوصول الى نتيجة قضائية، تصبح القصة عن "شرعية السلطة": هل ما زالت النخب قادرة على ادارة المخاطر الاخلاقية والسمعية؟ وهل التعيينات العليا تخضع لمعيار كفاءة وشفافية ام لمعيار علاقات قديمة؟
قائمة المراجع:
Associated Press.(2026,February 26).EU anti-fraud office opens inquiry into former UK official over Epstein-linked claims.AP News.
Reuters.(2026a,February 3).UK government aids police probe into Mandelson’s Epstein leaks.
Reuters.(2026h,February 9).Downing Street communications director quits amid political pressure.
The Guardian.(2026,February 26).EU investigates Mandelson over alleged sharing of sensitive information.

التعليقات