ما وراء الرؤساء: لماذا تبقى سياسات الولايات المتحدة ثابتة رغم تغير الإدارات؟

في الولايات المتحدة، الرؤساء يتغيرون، لكن السياسة تتحرك وفق منطق نظام صُمم ليقاوم التغيير السريع.

ما وراء الرؤساء: لماذا تبقى سياسات الولايات المتحدة ثابتة رغم تغير الإدارات؟

أحد المفاتيح الأساسية لفهم الاستمرارية في السياسة الخارجية الأميركية هو الإطار القانوني والمؤسسي الذي يحكم عمل الدولة، إذ لا تُصاغ السياسات تجاه دول معينة فقط عبر خطابات رئاسية، بل تُرسّخ في قوانين، ومعاهدات، وقرارات كونغرس، وأوامر تنفيذية متراكمة.العقوبات الاقتصادية، على سبيل المثال، غالباً ما تكون مقننة بتشريعات يصعب إلغاؤها دون موافقة السلطة التشريعية، ما يجعل تغيير السياسة مساراً معقداً وطويلاً.وتشير دراسات صادرة عن مؤسسات بحثية رسمية إلى أن الرؤساء الجدد يرثون منظومة قانونية كثيفة تُقيّد هامش المناورة، حتى في حال وجود إرادة سياسية واضحة للتغيير.

وفي هذا السياق المؤسسي، لا يعمل القانون بمعزل عن البيروقراطية التنفيذية التي تطبق هذه السياسات وتعيد إنتاجها يومياً، إذ إلى جانب القانون، تلعب البيروقراطية دوراً محورياً في تكريس الاستمرارية.فالأجهزة المعنية بالسياسة الخارجية والأمن القومي تتمتع بدرجة عالية من الاحتراف والاستقلال النسبي، ويعمل داخلها موظفون وخبراء يستمرون في مناصبهم عبر إدارات متعاقبة.هؤلاء لا ينفذون السياسات بشكل آلي فحسب، بل يقدّمون التوصيات، ويصوغون البدائل، ويحددون ما هو“واقعي”أو“غير قابل للتطبيق”.هذا لا يعني أنهم يعارضون التغيير لمجرد المعارضة، بل إن تقييمهم غالباً ما يستند إلى خبرة مؤسسية طويلة تجعلهم أكثر حذراً تجاه التحولات الجذرية التي قد تخلّ بتوازنات قائمة.

كما ويمثل البنتاغون(وزارة الدفاع)والمجمع العسكري-الصناعي صمام أمان أساسي لاستمرار توجهات خارجية محددة.فالولايات المتحدة تحافظ على"بصمة"عسكرية عالمية ضخمة من خلال قواعد وقوات موزعة في أوروبا وآسيا ومحطات عسكرية دائمة، ولا يمكن إلغاؤها بمجرد تبدل الرئيس.ويؤكد محللون أن نحو نصف إنفاق البنتاغون يُمنح مباشرة لشركات الدفاع الكبرى(مثل"لوكهيد مارتن"وغيرها).وهذا الربط بين السياسة العسكرية والربحية التجارية يخلق شبكة مصالح مترابطة.فعلى الرغم من أن هذا الإنفاق يُبرر غالباً بموازنة تخدم"الجنود"، فإن دراسات تشير إلى أن الجزء الأكبر منه يعود إلى ضغوط جماعات المصالح الصناعية الخاصة.وعلاوة على ذلك، تستخدم شركات الأسلحة مكاسبها لدعم أفكار تبرر نشوب حروب جديدة:فهي تمول معاهد بحثية تستهدف إنتاج دراسات تسوغ التدخلات العسكرية وتوظف خبراءها في مناصب أركان الأمن القومي وصياغة الأجندات السياسية.وقد وصل الأمر إلى تسمية"المجمع العسكري-الصناعي"لهذه الدورة، حيث تتحرك مصالح الشركات والأجهزة العسكرية معاً لتصعيد وتيرة النزاعات حسب الحاجة.إن هذا التأثير المختلط بين الجيش والصناعة يفسر جزئياً استمرار نهج المواجهة العسكرية وتضخم ميزانيات الدفاع الأمريكية عبر الإدارات المختلفة.

لا تقل المؤسسات الاستخباراتية والأمنية أهمية في هذا السياق.فقد بنت أجهزة الاستخبارات الأمريكية(مثل وكالة الاستخبارات المركزية)شراكات عن كثب مع أجهزة حليفة ضمن تحالفات استخباراتية دائمة(كـ"الأعين الخمس"مع بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا).وهذه الشبكات تضمن تبادلاً دائماً للمعلومات حول التهديدات العالمية، وترسخ رؤية مشتركة حول الخصوم الرئيسيين(مثل إيران أو تنظيمات إرهابية أو الاستراتيجية الصينية أو الروسية).ومن ثم فإن هذه البنى الذاكرية والاستخباراتية لا يمكن قطعها وتفكيكها بتبديل الرئيس، وهو ما يساهم في إبقاء الخطوط الرئيسية للسياسة الخارجية ثابتة–فعلى سبيل المثال، يستمر التنسيق الاستخباري والدبلوماسي الأمريكي ضمن هذه التحالفات العميقة بغض النظر عن أي تغير قيادي.

إلى جانب ذلك، تلعب اللوبيات الصناعية والمالية دوراً مهماً في ترسيخ الثوابت.فمثلاً يشكل قطاع الطاقة عنصر قوة بارز:فقد قامت الشركات الأمريكية الكبرى بدور محوري في تاريخ علاقة واشنطن بالدول الغنية بالنفط، خاصة السعودية.وقد أكدت مصادر رسمية أن"حماية السعودية ومنتجي الخليج"تعد ركيزة أساسية لسياسة الولايات المتحدة الخارجية لعقود.ولذلك بقيت المصالح النفطية ركيزة مستقرة في صياغة الخطوط الكبرى، حتى وإن شهدت الفترات السياسية خلافات مؤقتة.إن هذا التشابك بين المصالح الاقتصادية الاستراتيجية(كالنفط والدفاع)وبين صانع القرار السياسي يضمن عدم الانحراف الجذري عن المسار السياسي القائم.

يُضاف إلى ذلك دور مراكز الفكر والبحوث(Think Tanks)في صناعة الخطاب السياسي الأمريكي.فهذه المراكز البحثية تنشط في إنتاج الأفكار وترويجها عبر عقد ندوات وورش عمل وجلسات استماع أمام اللجان البرلمانية، وإصدار أبحاث وبراءات اختراع سياساتية.وغالباً ما ينتقل باحثو هذه المراكز بين أروقتها ومناصب تنفيذية؛ ففي أوقات التغيير يعمل بعضهم كمستشارين أو أعضاء في لجان تقييم، ثم يعودون إلى معاهدهم البحثية.ولا يخفي مراقبون أن تمويل هذه المراكز يرتبط في كثير من الأحيان بالجهات الصناعية الكبرى، خاصة في قطاع الدفاع؛ فمبادئها البحثية غالباً ما تدعم سيناريوهات التدخلات العسكرية وفرض الأطر الاستراتيجية التي تخدم مصالح هذه الصناعات.ونتيجة لذلك، تتشكل طبقة أيديولوجية متقدمة تروج للإجماع الاستراتيجي ذاته، مما يعزز من ثبات السياسات وتحويل الأفكار إلى أجندة معتمدة لدى صانعي القرار.

تتجسد النتائج أعلاه في نماذج واقعية للسياسات الأمريكية ثابتة عبر الإدارات.فعلى سبيل المثال، تتعامل كل إدارة دون استثناء مع إيران كعدوّ استراتيجي:فقد فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية صارمة على طهران منذ الثورة الإسلامية عام 1979 بسبب دعمها للإرهاب وسعيها النووي.ورغم تفاوت درجات الهجوم أو بعض محاولات المناورة الدبلوماسية(كالاتفاق النووي مع أوباما وعودة التشدّد تحت ترامب)، فقد كان موقف العقوبات مستمراً ومتشدداً.حيث كتب الباحثون أن"العقوبات الأمريكية على إيران قد تصاعدت في عهد خمسة رؤساء"متعاقبين، ما يشير إلى"إجماع حزبي واسع"حول اعتماد هذا النهج.وعلى غرار ذلك، حافظت الولايات المتحدة على دعمها القوي لإسرائيل عبر إدارة بعد أخرى؛ وقد وجد تحليل شهير أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط"مركزة إلى حد كبير حول علاقتها الوطيدة بإسرائيل"بفضل نشاطات"اللوبي الإسرائيلي"في أمريكا.وفي الملف الصيني، أعرب كل من ترامب وبايدن عن اعتقادهم بأن الصين تسعى لتجاوز الولايات المتحدة، واتفق الحزبان السياسيان على اعتبار الصين العدو الجيوسياسي الأول، مما دفع الإدارتين إلى تكثيف تحالفاتها وفرض قيود تكنولوجية ومالية مشابهة.أما السياسة تجاه روسيا، فقد بقيت محافظة على مسارها العام في سياق مواصلة احتواء النفوذ الروسي، رغم بعض الاختلافات التكتيكية في الخطاب.كذلك استمرت العلاقات مع السعودية في إطار التحالف التقليدي؛ فقد ظل صهر المصالح النفطية والأمنية بين واشنطن والرياض حاضراً بوضوح، مما يوضح مدى تأثير شبكات الضغط الاقتصادية في الحفاظ على سياق ثابت للسياسة الخليجية.

باختصار، تُبيّن هذه الأمثلة أن سياسات الولايات المتحدة الخارجية تجاه عدة دول(إيران، إسرائيل، الصين، السعودية، وروسيا)لم تشهد انقلاباً جذرياً مع كل تغير في الرئاسة، بل حافظت على استمرارية ملحوظة.ويُعزى ذلك إلى تآزر المصالح الاستراتيجية المتراكمة والهياكل المؤسسية الدائمة(العسكرية، الاستخباراتية، والاقتصادية)التي تدعم تلك السياسات.