شهد العالم في العقود الأخيرة طفرة غير مسبوقة في تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مختلف جوانب الحياة، حيث أصبح جزءًا أساسيًا من التعليم والعمل والصحة واتخاذ القرارات اليومية.يُقدَّم الذكاء الاصطناعي غالبًا بوصفه أداة قادرة على تعزيز الكفاءة وتسريع التعلم وتحسين الإنتاجية البشرية، إذ يتيح الوصول السريع إلى المعلومات، ويقدم تحليلات دقيقة، ويساعد في حل المشكلات المعقدة بطرق لم تكن ممكنة سابقًا.ومع ذلك، ظهرت في المقابل مخاوف متزايدة من أن الاعتماد المفرط على هذه التقنية قد يؤدي إلى تراجع الجهد الذهني البشري، ويجعل الأفراد أكثر ميلًا إلى الاعتماد على الآلة بدلًا من التفكير المستقل.هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا:هل يعمل الذكاء الاصطناعي على تعزيز القدرات المعرفية البشرية وجعلنا أكثر ذكاءً، أم أنه يساهم في إضعافها عبر خلق حالة من الكسل المعرفي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تحليلًا متوازنًا يستند إلى الأدلة العلمية، حيث تشير الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون سلاحًا ذا حدين، يعزز القدرات البشرية في بعض الحالات ويضعفها في حالات أخرى، اعتمادًا على طريقة استخدامه.
من الناحية الإيجابية، يوفر الذكاء الاصطناعي أدوات تعليمية قوية يمكنها تحسين جودة التعلم وتسريع اكتساب المعرفة.فعلى سبيل المثال، تسمح أنظمة التعليم المدعومة بالذكاء الاصطناعي بتقديم محتوى تعليمي مخصص لكل طالب، مما يساعد على معالجة نقاط ضعفه وتعزيز نقاط قوته بطريقة أكثر كفاءة من التعليم التقليدي(Holmes et al.,2019).وقد وجدت دراسة في جامعة هارفارد أن الطلاب الذين استخدموا معلمًا آليًا تمكنوا من تعلم ضعف المادة في وقت أقل مقارنة بالطلاب الذين تعلموا بالطريقة التقليدية، بشرط أن يبقى الطالب نشطًا في عملية التفكير وألا يعتمد على التقنية بشكل سلبي(Kulik&Fletcher,2016).كما أظهرت تجربة تعليمية في نيجيريا أن الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي تحت إشراف تربوي مكثف تمكنوا من تحقيق نتائج تعليمية تعادل سنة ونصف من التعلم التقليدي خلال ستة أسابيع فقط(World Bank,2021).هذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعمل كأداة لتعزيز الذكاء البشري، من خلال تسريع التعلم وتقديم دعم معرفي مستمر يساعد الطلاب على فهم المواد بشكل أعمق وأكثر كفاءة.
ومع ذلك، تشير الأدلة العلمية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي أيضًا إلى نتائج عكسية إذا استُخدم بطريقة غير مدروسة.فقد أظهرت دراسة أجراها معهد MIT عام 2023 أن المشاركين الذين استخدموا ChatGPT لكتابة مقالات أظهروا أقل مستوى من نشاط الدماغ مقارنة بمن كتبوا باستخدام محرك بحث تقليدي أو دون مساعدة رقمية(MIT Media Lab,2023).كما لاحظ الباحثون أن مستخدمي ChatGPT أصبحوا أكثر اعتمادًا على الأداة مع مرور الوقت، حيث بدأوا في نسخ الإجابات مباشرة دون محاولة التفكير فيها، وعندما طُلب منهم لاحقًا إعادة كتابة مقالاتهم دون مساعدة الذكاء الاصطناعي، واجهوا صعوبة في تذكر ما كتبوه سابقًا، وأظهروا ضعفًا في المؤشرات العصبية المرتبطة بالذاكرة العميقة(Kosmyna et al.,2023).هذه النتائج تؤكد أن التعلم الحقيقي يتطلب جهدًا ذهنيًا نشطًا، وأن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى فهم سطحي وضعف في ترسيخ المعلومات، وهو ما يتوافق مع نظرية"النضال المنتج"التي تؤكد أن التعلم الفعال يعتمد على الجهد العقلي المبذول أثناء التفكير(Bjork&Bjork,2011).
وتتجلى هذه الظاهرة بشكل واضح في الواقع التعليمي المعاصر، حيث أظهر تقرير صادر عن OECD عام 2023 أن 42%من طلاب المرحلة الثانوية أصبحوا يعتمدون بشكل شبه كامل على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز واجباتهم، دون محاولة فهم المحتوى أو التحقق من دقته.كما أشار تقرير آخر إلى أن 18%من طلاب الجامعات في الولايات المتحدة اعترفوا باستخدام الذكاء الاصطناعي لإعداد أبحاثهم النهائية(Pew Research Center,2023).هذه الأرقام تشير إلى تحول خطير في سلوك التعلم، حيث يحصل الطلاب على الإجابات بسهولة دون تطوير مهارات التفكير النقدي اللازمة لتحليل المعلومات وفهمها.وقد حذر البروفيسور جون كراوفورد من جامعة أكسفورد من أننا قد ندخل مرحلة"يتعلم فيها الذكاء الاصطناعي بدلًا من الطالب"، حيث يصبح الطالب مجرد متلقٍ سلبي للمعلومات بدلًا من مشارك نشط في عملية التعلم(Crawford,2021).كما أظهرت دراسات ميدانية في مدارس بالرياض وأبوظبي أن قدرة الطلاب على التعبير الكتابي الشخصي تراجعت، وأصبحوا أكثر اعتمادًا على النصوص التي تولدها أدوات الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى انخفاض مستوى الإبداع وأصالة التفكير(UNESCO,2023;Dwivedi et al.,2023).
ورغم هذه المخاطر، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي ليس سلبيًا بطبيعته، بل يعتمد بشكل أساسي على كيفية استخدامه.ففي دراسة أجريت في تركيا، انخفض أداء الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي دون توجيه تربوي بنسبة 17%مقارنة بمن لم يستخدموه، بينما أظهرت تجربة أخرى في جامعة هارفارد أن استخدام مساعد تعليمي ذكي مصمم بطريقة تربوية سليمة أدى إلى مضاعفة سرعة التعلم وتحسين النتائج الأكاديمية(OECD,2023;Kulik&Fletcher,2016).هذا يدل على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة قوية لتعزيز التعلم إذا استُخدم لدعم التفكير وليس لاستبداله، وأن المشكلة لا تكمن في التقنية نفسها، بل في طريقة استخدامها.
ويمتد تأثير الذكاء الاصطناعي إلى مجال اتخاذ القرارات، حيث أصبح يُستخدم بشكل واسع في القطاعات المالية والطبية والتكنولوجية لتحليل البيانات وتقديم التوصيات(Topol,2019).في المجال الطبي، على سبيل المثال، ساعد الذكاء الاصطناعي في تحسين دقة تشخيص الأمراض من خلال تحليل الصور الطبية واكتشاف الأنماط التي قد لا يتمكن الإنسان من ملاحظتها بسهولة.كما تستخدم المؤسسات المالية الذكاء الاصطناعي لتحليل المخاطر والتنبؤ بالاتجاهات الاقتصادية، مما يساعد في اتخاذ قرارات أكثر دقة(Brynjolfsson&McAfee,2017).وعلى المستوى الشخصي، تستخدم تطبيقات الملاحة مثل Google Maps خوارزميات متقدمة لتحليل حركة المرور واقتراح أفضل الطرق، مما يساعد المستخدمين على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر كفاءة(Dwivedi et al.,2023).
لكن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات قد يؤدي إلى تراجع الاستقلالية الفكرية.فقد أظهرت دراسة أجرتها مايكروسوفت بالتعاون مع جامعة كارنيغي ميلون على 319 موظفًا أن زيادة الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي ارتبطت بانخفاض التفكير النقدي والاعتماد الذاتي، حيث أصبح الموظفون أقل ميلًا لمراجعة النتائج أو التفكير في بدائل(Microsoft&Carnegie Mellon University,2025).كما أظهرت دراسات في المجال الطبي أن بعض الأطباء الذين اعتمدوا بشكل مفرط على أنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحوا أقل قدرة على تشخيص الحالات بأنفسهم، مما يشير إلى خطر تآكل المهارات المهنية نتيجة الاعتماد الزائد على التقنية(Topol,2019;Chow,2023).وتظهر هذه الظاهرة أيضًا في الحياة اليومية، حيث تعتمد خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي على تحليل سلوك المستخدمين لتقديم محتوى مخصص، مما قد يؤدي إلى تقليل التنوع المعرفي وتعزيز الاعتماد على المعلومات الجاهزة بدلًا من البحث المستقل(Firth et al.,2019).
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن الذكاء الاصطناعي ليس قوة إيجابية أو سلبية بطبيعته، بل أداة تعتمد نتائجها على طريقة استخدامها.فهو قادر على تعزيز الذكاء البشري من خلال تسريع التعلم وتحسين اتخاذ القرارات، لكنه قد يؤدي إلى الكسل المعرفي إذا استُخدم كبديل كامل للتفكير البشري(Saavedra et al.,2025).إن الاستخدام المتوازن للذكاء الاصطناعي، بحيث يعمل كمساعد يدعم التفكير البشري بدلًا من استبداله، يمثل الحل الأمثل لتحقيق أقصى استفادة من هذه التقنية مع الحفاظ على القدرات المعرفية البشرية.
وفي الختام، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا جذريًا في طريقة تفكير البشر وتعلمهم واتخاذهم للقرارات.فهو يمنحنا قدرات غير مسبوقة لتحليل المعلومات والتعلم بسرعة، لكنه في الوقت نفسه يحمل خطر تقليل الجهد الذهني إذا استُخدم بشكل مفرط.يشبه الذكاء الاصطناعي أداة قوية يمكن أن تعزز قدراتنا أو تضعفها، اعتمادًا على كيفية استخدامها.فإذا استُخدم لدعم التفكير والإبداع، فإنه يمكن أن يجعلنا أكثر ذكاءً وإنتاجية، أما إذا استُخدم كبديل كامل للتفكير، فقد يؤدي إلى تراجع المهارات المعرفية الأساسية.ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية استخدامه بطريقة تضمن بقاء الإنسان في مركز عملية التفكير واتخاذ القرار، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز الذكاء البشري، وليس بديلًا عنه(Ranganathan&Ye,2026).

التعليقات