يشكل مصطلحا "الدولة العميقة" و"الدولة الموازية" جزءًا من قاموس التحليل السياسي المعاصر، وغالبًا ما يُستخدمان في الخطاب الإعلامي بصورة متداخلة أو فضفاضة. غير أن التفريق بينهما ضروري لفهم طبيعة السلطة، وكيف تُمارس، وأين تتموضع داخل الدولة أو خارجها. فكلا المفهومين يرتبط بفكرة وجود قوة تتجاوز الشكل الرسمي للدولة، لكن الاختلاف الجوهري يكمن في البنية، وموقع النفوذ، وآليات العمل.
يشير مفهوم "الدولة العميقة" عادةً إلى شبكة من الفاعلين داخل مؤسسات الدولة الرسمية — كالأجهزة الأمنية، والبيروقراطية العليا، وبعض دوائر الجيش أو القضاء — تعمل بصورة غير مرئية أو شبه سرية للتأثير في مسار القرار السياسي. هذه الشبكات لا تُعلن نفسها ككيان مستقل، ولا تنشئ مؤسسات بديلة، بل تمارس نفوذها من داخل الهياكل القائمة. الدولة العميقة، بهذا المعنى، ليست دولة أخرى، بل "طبقة داخل الدولة" تحافظ على مصالح أو توازنات ترى أنها جوهرية، وقد تقاوم قرارات حكومات منتخبة إذا اعتبرتها مهددة لتلك المصالح.
تاريخيًا، ارتبط المصطلح بسياقات شهدت صراعات بين حكومات منتخبة وأجهزة أمنية أو بيروقراطية متجذرة، حيث يُتهم هذا "العمق المؤسسي" بتوجيه السياسات من خلف الكواليس. وفي بعض الخطابات السياسية، خصوصًا الشعبوية، يُستخدم المصطلح أحيانًا كأداة تفسيرية لتبرير الفشل السياسي عبر إلقاء اللوم على "شبكات خفية" تعطل الإرادة الشعبية. وهنا تظهر إشكالية المفهوم: فهو قد يكون توصيفًا تحليليًا لظاهرة حقيقية تتعلق بالبيروقراطية والسلطة، وقد يتحول إلى سردية اتهامية يصعب التحقق منها.
في المقابل، يُستخدم مفهوم "الدولة الموازية" للإشارة إلى كيان أو بنية تنظيمية تعمل خارج المؤسسات الرسمية، لكنها تؤدي وظائف تشبه وظائف الدولة أو تنافسها. الدولة الموازية قد تكون تنظيمًا سياسيًا أو أمنيًا أو اجتماعيًا يمتلك شبكات خدمات، وموارد مالية، وانضباطًا مؤسسيًا، بحيث يخلق نوعًا من "الدولة داخل الدولة" أو "الحكم البديل". الفرق هنا أن الدولة الموازية لا تعمل فقط من خلال النفاذ إلى مؤسسات الدولة، بل قد تبني مؤسساتها الخاصة — تعليمية، قضائية، اقتصادية أو أمنية — في موازاة الهياكل الرسمية.
هذا الفارق البنيوي مهم: الدولة العميقة تعمل من الداخل وتستمد قوتها من مواقعها في المؤسسات القائمة، بينما الدولة الموازية تنشئ أو تدير بنى مستقلة نسبياً، وقد تتعايش مع الدولة الرسمية أو تتصادم معها. في بعض السياقات السلطوية، قد تُشجع السلطة الحاكمة وجود أجهزة أو تنظيمات موازية لتعزيز سيطرتها، بينما في سياقات أخرى قد ترى في هذه البنى تهديدًا لاحتكارها للعنف المشروع.
يظهر الاختلاف أيضًا في مسألة الشرعية. الدولة العميقة، بحكم عملها داخل المؤسسات، تستند شكليًا إلى شرعية الدولة ذاتها، لكنها تُتهم بتجاوز حدود التفويض الديمقراطي. أما الدولة الموازية، فقد تكون بلا شرعية دستورية واضحة، وتعتمد على الولاء التنظيمي أو الأيديولوجي، أو على دعم سياسي غير معلن. وبالتالي فإن النقاش حول الدولة العميقة يدور غالبًا حول الشفافية والمساءلة داخل النظام القائم، بينما النقاش حول الدولة الموازية يتعلق بازدواجية السلطة وتهديد احتكار الدولة للقرار.
من حيث آليات العمل، تعتمد الدولة العميقة على أدوات "ناعمة" نسبيًا: التحكم في المعلومات، التأثير في مسارات التحقيق، إبطاء تنفيذ القرارات، أو ترجيح خيارات بعينها عبر الخبرة البيروقراطية. قوتها كامنة في الخبرة والاستمرارية، إذ تبقى الأجهزة بينما تتغير الحكومات. أما الدولة الموازية فتعتمد على بناء شبكات بديلة، سواء عبر تنظيمات حزبية منضبطة، أو جماعات ذات امتداد اقتصادي واجتماعي، ما يمنحها قدرة على تعبئة الموارد خارج القنوات الرسمية.
مع ذلك، قد يتداخل المفهومان في الواقع العملي. فقد تبدأ شبكة ما كحركة موازية خارج الدولة، ثم تتغلغل في مؤسساتها لتتحول إلى بنية عميقة. أو بالعكس، قد تُتهم أجهزة داخل الدولة بأنها تعمل كـ"دولة موازية" بسبب درجة استقلالها الفعلي عن الرقابة السياسية. هذا التداخل هو ما يجعل المفهومين عرضة للخلط في الخطاب العام.
أخيرًا، تكمن أهمية التمييز بين المصطلحين في تجنب التبسيط. فالدولة العميقة ليست بالضرورة مؤامرة شاملة، بل قد تعكس تعقيد الإدارة الحديثة وتوازن القوى داخل المؤسسات. والدولة الموازية ليست دائمًا كيانًا سريًا بالكامل، بل قد تكون بنية تنظيمية علنية لكنها تنافس الدولة في وظائفها. الفرق بينهما في الجوهر هو الفرق بين نفوذ خفي يعمل من داخل الدولة، وبنية موازية تعمل بجانبها أو في مواجهتها.
فهم هذا الفرق لا يساعد فقط في تحليل الأزمات السياسية، بل في قراءة طبيعة السلطة ذاتها: هل الخلل في عمق المؤسسات، أم في وجود مؤسسات بديلة تنازع الدولة دورها؟ هنا يبدأ التحليل الحقيقي.

التعليقات