العافية كسوق: كيف تصنع الشركات "قلقا صحيا" ثم تبيع حله ؟

العافية تحولت من حق يومي بسيط الى سوق يصنع القلق ثم يبيع السيطرة المؤقتة عليه.

العافية كسوق: كيف تصنع الشركات "قلقا صحيا" ثم تبيع حله ؟

في السنوات الاخيرة، لم يعد الحديث عن العافية مقتصرا على الطب او نمط الحياة الصحي، بل انتقل بقوة الى مجال الاقتصاد والسوق.فالعافية اليوم لم تعد فقط مسالة شخصية تتعلق بالجسد والنفس، بل تحولت الى صناعة كاملة لها مؤشرات نمو، وحصص سوقية، واستراتيجيات تسويق دقيقة.في هذا السياق، يصبح من الضروري تحليل العلاقة بين تصاعد الاهتمام بالعافية من جهة ،وتحول هذا الاهتمام الى سوق ضخم من جهة اخرى، خصوصا حين يتقاطع هذا التحول مع صناعة القلق الصحي وبيعه بوصفه دافعا للاستهلاك.من هنا تنطلق هذه الورقة لتحليل"الرفاه كاقتصاد،"مع التركيز على الكيفية التي تصنع بها الشركات قلقا صحيا متناميا، ثم تقدم حلوله في شكل منتجات وتجارب وخدمات مدفوعة.

من المهم التمييز في البداية بين القلق الصحي المشروع وبين القلق المصنّع تجاريا.فليس كل قلق صحي وهما، اذ توجد مخاطر واضطرابات فعلية تستحق المتابعة والعلاج.غير ان السوق غالبا ما يعمل على منطق"التمديد"، اي توسيع الحدود بين ما هو طبيعي وما هو مرضي، بحيث يتحول احتمال صغير او عرض عابر الى مشروع مراقبة دائمة.هذا المنطق ناقشه باحثون منذ مطلع الالفية تحت مفهوم"تسويق المرض"، اي توسيع تعريف المرض لخلق اسواق اكبر لمن يبيعون الحلول.الجديد اليوم ان هذه الديناميكية لم تعد محصورة في صناعة الدواء، بل انتقلت بقوة الى صناعة العافية.اعراض عامة مثل التعب، تشوش التركيز، اضطراب النوم ،الانتفاخ، او تقلب المزاج، يعاد تقديمها في الحملات التسويقية بوصفها اشارات مبكرة لمشكلة خفية، مثل الالتهاب المزمن، او تراكم السموم، او خلل هرموني غير محدد، او"ارهاق الحواس".ثم يقترح حل سريع وجاهز:مكمل غذائي، برنامج ديتوكس، نظام صارم، او تجربة"مصممة علميا".والنتيجة ان العافية تتحول من مسار طويل قائم على عادات اساسية مثل النوم والحركة والغذاء المتوازن والدعم النفسي، الى متجر حلول سريعة قابلة للشراء والتكرار.

في العقد الاخير، لم تعد العافية مجرد هدف صحي شخصي، بل تحولت الى اقتصاد كامل له سلاسل توريد ومنصات تسويق وبيانات ومؤشرات نمو تشبه اي قطاع استهلاكي ضخم.تشير تقديرات معهد العافية العالمي الى ان اقتصاد العافية بلغ نحو 6.8 تريليون دولار في عام 2024، مع توقعات بالوصول الى 9.8 تريليون دولار بحلول عام 2029، وبمعدل نمو سنوي يقارب 7.6%.هذا الاتساع لا يفسر فقط بزيادة وعي الناس بالصحة، بل ايضا بظهور منطق تجاري شديد الاثر:تحويل القلق اليومي العادي الى"قلق صحي"قابل للادارة عبر منتجات وخدمات، ثم بيع"الحل"على شكل مكملات، اشتراكات، اجهزة قياس، برامج اعادة ضبط ،وتجارب سفر وعلاج.هنا يصبح السؤال التحليلي المركزي:كيف تصنع الشركات هذا القلق، وكيف تحوله الى طلب متكرر، دون ان تبدو كمن يبيع الخوف صراحة ؟

توضح الارقام لماذا يغري هذا النموذج الشركات.فسوق المكملات الغذائية وحده يقترب من مئتي مليار دولار سنويا عالميا، اذ قدُرت قيمته بنحو 192.65 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بالوصول الى 209.52 مليار دولار في عام 2025، واستمرار النمو خلال السنوات اللاحقة.هذا السوق مناسب تماما لاقتصاد القلق لسببين رئيسيين.اولا، يمكن تسويق المكمل بوصفه اداة وقائية لا علاجية، والوقاية بطبيعتها تتغذى على الخوف من المستقبل:"خذ هذا اليوم كي لا تدفع الثمن غدا".ثانيا، تخضع المكملات في كثير من الدول لاطر تنظيمية اقل صرامة من الادوية.ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، توضح ادارة الغذاء والدواء ان المكملات تخضع لاطار مختلف عن الادوية، وان قانون عام 1994 ينظمها بوصفها فئة مستقلة، ما يفتح مساحة اوسع للادعاءات التسويقية طالما لم تتحول الى ادعاء علاجي مباشر.في هذه الفجوة التنظيمية تزدهر لغة رمادية مثل"يدعم"و"يعزز"و"يساعد"و"يحسن"، وهي لغة تزرع القلق ثم تقدم الطمأنينة دون التزام صارم بقياس طبي واضح.

لكن المكملات ليست سوى طبقة واحدة من هذا الاقتصاد.الطبقة الاكثر حداثة وتأثيرا هي ما يعرف بـ"تكميم الذات"، اي تحويل الجسد الى مجموعة ارقام يومية، ثم تحويل القلق الى عادة مراقبة مستمرة.سوق التقنيات القابلة للارتداء ينمو بدفع من وعد واحد بسيط:"لن تترك صحتك للحدس".تشير بيانات مؤسسةIDC الى شحن نحو 136.5 مليون جهاز قابل للارتداء عالميا في الربع الثاني من عام 2025، بنمو سنوي بلغ 9.6%.وفي تقديرات اخرى، قدرت قيمة سوق تقنيات الارتداء بنحو 84.2 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات نمو قوية حتى عام 2030.هنا لا تبيع الشركة جهازا فقط، بل تبيع اسلوب علاقة جديدة مع الجسد، حيث يصبح كل رقم خارج"النطاق المثالي"مصدرا للتوتر، وكل تقلب بسيط في النوم او النبض او النشاط اشارة محتملة للخطر.ومع الوقت، ينتقل المستخدم من تتبع صحي معقول الى مراقبة قهرية، خاصة حين تقترن هذه الاجهزة بتنبيهات مستمرة، ومقارنات اجتماعية، واشتراكات تفتح تحليلات اعمق مقابل دفع شهري.بهذه الطريقة تتشكل حلقة اقتصادية مغلقة:القلق يولد استخداما ،والاستخدام يولد بيانات، والبيانات تتيح تسويقا ادق، فيزداد البي ع.

يضيف الفضاء الرقمي بعدا نفسيا اخر لهذه الظاهرة يتمثل في ما يعرف بـ"البحث الصحي القهري"اوcyberchondria ، حيث يتحول البحث عن الاعراض عبر الانترنت الى تضخيم للقلق بدل تهدئته.تشير دراسات متعددة في طب الانترنت الى ارتباطات واضحة بين هذا السلوك والقلق الصحي.كما افادت مراجعة شاملة حديثة بان معدلات انتشار هذا النمط تراوحت بين 30.7%و55.6%في عينات مختلفة.هذه الخلفية النفسية تهمنا اقتصاديا لان الشركات لا تعمل في فراغ؛ فالمستخدم القلق يكون اكثر قابلية لشراء"حل سريع"يمنحه شعورا بالسيطرة.وحتى حين يكون القلق مدفوعا باحداث صحية عامة واسعة، كما حدث خلال الجوائح ،تظهر الابحاث كيف ارتفعت مستويات القلق الصحي لدى قطاعا ت واسعة من السكان.وفي كثير من الحالات، يتحول الفضاء الرقمي الى سوق نصائح واشتراكات ومؤثرين يبيعون يقينا مصطنعا في عالم غير يقيني.

ضمن هذا المشهد، يبرز ما يمكن تسميته"اقتصاد اعادة الضبط".برامج تدعي اعادة التوازن للجسد عبر حزم جاهزة مثل"اعادة ضبط الهرمونات"،"اعادة ضبط النوم"،"اعادة ضبط الدوبامين"، او"اعادة ضبط الحواس".هذه اللغة جذابة لانها تقدم سببا بسيطا لمعاناة معقدة، ثم تعرض مسارا عمليا واضحا:خطوات محددة، جدول، واشتراك.لكنها في كثير من الحالات تخلط بين ثلاث طبقات:نصائح صحية عامة قد تكون مفيدة، وادعاءات شبه علمية يصعب التحقق منها، وتجربة عاطفية تمنح شعورا مؤقتا بالتحسن لان الشخص"فعل شيئا منظما".ومن منظور السوق، هذه البرام ج مثالية لانها قابلة للتغليف والتكرار:كورس، تحدي زمني، تطبيق بمهام يومية، ثم مرحلة ثانية مدفوعة.هنا يعمل القلق بوصفه محركا للاشتراك الدائم، لا لحل ينتهي.

حتى السفر دخل بقوة في هذا الاقتصاد عبر سياحة العافية وسياحة النوم وتجارب الاستشفاء.قدر معهد العافية العالمي سياحة العافية بنحو 651 مليار دولار سنويا، مع توقع استمرار النمو في الانفاق حتى عام 2027.ومع تزايد التركيز على النوم، تشير تقارير سوقية الى ان سوق سياحة النوم بلغ نحو 74.54 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات نمو حتى عام 2030.ما الذي يباع هنا؟ ليس سريرا جيدا فقط، بل بيئة كاملة:غرف صامتة، اضاءة ايقاعية، قوائم وسائد، جلسات تنفس، وبرامج"اعادة ضبط الحواس."حتى حين تستند بعض هذه العناصر الى مبادئ معقولة، فان المنطق التسويقي قد يحولها الى حتمية، كأن النوم الطبيعي لم يعد ممكنا الا بشراء التجربة.وهنا تظهر مفارقة طبقية واضحة:حين يصبح الهدوء والظلام والنوم العميق منتجات فندقية، يتضح ان السوق لا يعالج الاسباب البنيوية لاضطراب النوم، بل يبيع استثناء مؤقتا لمن يستطيع الدفع.

لفهم نجاح هذا النموذج، يجب النظر الى البنية الثقافية للعافية.صعود خطاب"العافية كمسؤولية فردية"يجعل التعب والارهاق يبدوان وكأنهما فشل شخصي في الادارة الذاتية، لا نتيجة ظروف اجتماعية واقتصادية.عندها يتحول الفرد الى مشروع تحسين دائم، يشتري منتجا ليصلح نقصا، ثم يكتشف نقصا اخر.تشير تحليلات شركة ماكنزي الى ان سوق العافية العالمي يقترب من تريليوني دولار ،مع توجه متزايد لدى جيل الالفية والجيل زد نحو عافية يومية شخصية.هذه الشخصنة تعطي مرونة، لكنها تفتح الباب ايضا لاستهداف ادق للقلق، حيث يصبح كل شخص سلة منتجات محتملة مختلفة.

الخلاصة ان الرفاه كاقتصاد ليس مجرد ازدهار صحي بريء، بل نظام سوقي متكامل يلتقط اشارات تعب حقيقية، يعيد صياغتها كقلق صحي دائم، ثم يبيع سيطرة مؤقتة عبر منتجات قابلة للتكرار.بعض عناصر هذا السوق مفيدة فعلا، لكن خطورته حين يتحول الى مصنع قلق يجعل الجسد مشروعا ناقصا دائما.من هنا، لا تدعو هذه الورقة الى رفض العافية، بل الى استعادتها من السوق ،واعادة تعريفها بوصفها حقا يوميا بسيطا لا اشتراكا لا ينتهي.

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
العافية كسوق- كيف تصنع الشركات قلقا صحيا ثم تبيع حله؟.pdf
254.9 KB