خلال الايام الاخيرة تحولت خطة بحثية في غينيا بيساو تشمل متابعة الالاف من حديثي الولادة الى جدل اخلاقي دولي، بعدما تدخلت منظمه الصحه العالميه بلهجه حاده ووصفت التصميم المقترح بانه غير اخلاقي، ثم اعلنت السلطات الغينيه تعليق التجربه رسميا بانتظار مراجعات، قبل ان تتصاعد الاشارات لاحقا الى اغلاقها.
القضيه بدأت عندما ظهر بروتوكول لتجربه مموله اميركيا بقيمه تقريبيه 1.6 مليون دولار، مُنح لجامعه جنوب الدنمارك/باحثين مرتبطين بمشروع Bandim الصحي في غينيا بيساو، ويقوم جوهره على توزيع عشوائي لعدد كبير من المواليد (ورد رقم 14 الف مولود في اكثر من تغطيه) بحيث يحصل جزء منهم على جرعه لقاح التهاب الكبد الوبائي B عند الولاده، بينما تؤجل الجرعه لجزء اخر، ثم تتم متابعه النتائج الصحيه على المدى القريب والابعد.
هنا يبرز السؤال الذي اشعل الجدل: لماذا يثير اختبار "توقيت الجرعه عند الولاده" كل هذا الغضب؟ لان جرعه الولاده من لقاح التهاب الكبد B ليست تدخلا تجريبيا غير مثبت، بل تدخل وقائي راسخ في ادبيات الصحه العامه، وتراه منظمه الصحه العالميه جزءا محوريا من منع انتقال العدوى من الام الى الطفل وتقليل عبء مرض قد يتحول الى عدوى مزمنه ثم مضاعفات خطيره على الكبد لاحقا. وفي بيان رسمي حديث، قالت المنظمه بوضوح ان اعطاء هذا التدخل المنقذ للحياه لبعض المشاركين مع حرمان اخرين يعرض المواليد لخطر "جسيم وربما غير قابل للعكس"، واشارت الى نطاق فعاليه لمنع انتقال العدوى من الام الى الطفل (70–95%) مع سجل امان طويل.
هذا الاعتراض لا يقوم فقط على مبدأ "الفائده المثبته"، بل على قاعده اخلاقيه مركزية في ابحاث البشر: عندما يكون هناك معيار رعايه فعّال ومُوصى به، يصبح حرمان مجموعه ضابطه منه محل تشكيك شديد، خصوصا اذا كانت الفئه المستهدفه شديدة الهشاشه مثل حديثي الولاده وفي سياق صحي محدود الموارد. منتقدون كثر لخصوا ذلك بان التصميم يجعل الخطر متوقعا سلفا، بينما العائد المعرفي (ما الذي سنعرفه جديدا من تأخير جرعه موصى بها؟) يبدو غير متناسب مع ذلك الخطر.
لكن المدافعين عن المشروع دفعوا بحجه مختلفه: ان غينيا بيساو لا تطبق اصلا جرعه الولاده على نطاق وطني واسع حاليا، وان المقارنه ستكون بين "الممارسه الجاريه" وبين ادخال الجرعه عند الولاده ضمن اطار بحثي، وبالتالي لن يحصل بعض الاطفال على "اقل مما يحصلون عليه عادة". هذا النوع من التبرير يعتمد على مفهوم معروف في الاخلاقيات يسمى احيانا "معيار الرعايه المحلي"، ويقول ان ما هو غير متاح فعليا لا يمكن اعتباره حقا محروما منه داخل تجربه. غير ان هذا المنطق نفسه هو ما يثير حساسيه كبرى لدى خبراء اخلاقيات الصحه العالميه، لانه قد يفتح الباب لاجراء تجارب في بلدان فقيره على اساس "غياب الخدمه"، بدل ان يكون الهدف هو سد فجوه الخدمه. وقد زاد الجدل تعقيدا حين اشارت تقارير الى ان غينيا بيساو تخطط لتطبيق جرعه الولاده على نطاق اوسع في سنوات قادمه (ورد عام 2028 في تغطيه لرويترز عن وضع البلد وخططه)، ما يجعل سؤال "لماذا لا يُسارع الى تطبيقها بدل اختبار حجبها عن نصف العينه؟" سؤالا مشروعا.
المسار السياسي والاداري للقضيه ساهم في تضخيمها. حسب ما نقلته تقارير، اعلنت وزاره الصحه في غينيا بيساو تعليق او تجميد المشروع بانتظار مراجعه اخلاقيه وتقنيه اضافيه، مع اشارات الى ان لجنه اخلاقيات محليه لم تراجع البروتوكول في بدايته بالطريقه المطلوبه، وان هناك احتياجا لاعاده التقييم. وفي الوقت نفسه ظهرت حاله ارتباك علني: جهات افريقيه تحدثت عن "ايقاف" او "الغاء"، بينما صرحت جهات اميركيه مموله بان الدراسه "مستمرة" او "قيد الاستكمال" بانتظار اجراءات نهائيه، ما خلق انطباعا بان النزاع لم يعد علميا فقط بل مؤسسيا وسياديا ايضا: من يملك قرار انطلاق تجربه على ارض دوله؟
ثم جاء تدخل منظمه الصحه العالميه ليحوّل الجدل من نقاش خبراء الى ازمه رأي عام. فالمنظمه، عبر بيانها، لم تكتف بطرح اسئله، بل قدّمت حكما معياريا مباشرا: حجب جرعه الولاده عن بعض المواليد غير اخلاقي لانه يعرّضهم لضرر متوقع مع وجود بديل فعّال ومتاح من حيث المبدأ، ووصفت المخاطر المحتمله (عدوى مزمنه، تليف، سرطان كبد) كامتداد بعيد لكنه "قابل للتوقع" اذا حصلت عدوى مبكره. هذا النوع من اللغة يضع الحكومات والجامعات الممولة تحت ضغط فوري، لان الاستمرار بعد هذا التوصيف يعني تحمّل كلفة سمعه ومساءله اكبر.
لماذا تثير القضيه جدلا اخلاقيًا عالميا تحديدا، لا محليا فقط؟ لانها تجلس عند تقاطع ثلاث ازمات في الصحه العالميه. الاولى هي ازمه الثقه: تجارب على الرضع في بلد فقير، بتمويل من دوله غنيه، وتحت عنوان حساس متعلق باللقاحات، يمكن ان تتحول سريعا الى قصه استغلال في المخيال العام حتى لو كانت النوايا علميه، وخصوصا اذا غابت الشفافيه او بدا ان الموافقات الاخلاقيه غير مكتمله. الثانيه هي ازمه "عدم توازن القوه" في الابحاث: من يختار الاسئله؟ ومن يجني العائد المعرفي؟ ومن يتحمل المخاطر؟ والثالثه هي ازمه تسييس اللقاحات: لان الخلفيه الاميركيه للتمويل جاءت في لحظه نقاشات داخليه حاده حول سياسات اللقاح، ومع تغطيات تربط المشروع بسياق سياسي اشمل داخل الولايات المتحده، ما جعل كثيرين يقرأون التجربه ليس كبحث محايد بل كاختبار قد يُستخدم في معركه سرديات حول اللقاحات.
ومن زاويه اخلاقيات البحث، يمكن تفكيك اسباب الجدل الى ثلاث عقد رئيسيه. العقده الاولى "المخاطر مقابل المنفعه": حين تقول المنظمه ان الخطر جسيم وربما غير قابل للعكس، فهي تنقل التجربه من منطقه "تحسين معرفه" الى منطقه "تعريض فئه غير قادرة على الاختيار لضرر محتمل". العقده الثانيه "الرضا المستنير": لان الابحاث على حديثي الولاده تعتمد على موافقه الوالدين، وهنا يصبح سؤال اللغة، والفهم، والقدره على الرفض، وتجنب الضغط غير المباشر داخل مرافق صحيه فقيره، سؤالا اساسيا. العقده الثالثه "عداله الاختيار": لماذا يُجرى اختبار حجب تدخّل فعّال في مكان يُفترض انه يحتاجه اكثر، بدل ان يكون المكان نفسه مستفيدا من تعميم التدخل كسياسه صحيه؟
على الجانب الاخر، من المهم فهم ما الذي حاول المصممون قوله كي لا يتحول النقاش الى شيطنه تلقائيه للبحث العلمي. بعض المدافعين عن الدراسه يقولون ان الهدف يتجاوز التهاب الكبد B الى فهم "التاثيرات غير المحدده" للقاحات على الصحة العامة، وهي فرضيه بحثيه مثاره منذ سنوات في ادبيات معينه. لكن حتى لو كان هذا الباب البحثي موجودا، فالسؤال الاخلاقي يبقى: هل الطريق المقبول لاختبار فرضيه كهذه هو تعليق جرعه ولاده موصى بها على نطاق واسع؟ ام البحث عن تصميمات بديله لا تحرم اي طفل من تدخل مثبت؟ كثير من الخبراء الذين انتقدوا المشروع لم يرفضوا البحث نفسه بقدر ما رفضوا "منطقه القياس" التي اختارتها الدراسه.
التحول الابرز في الايام الاخيره كان اعلان السلطات في غينيا بيساو رسميا تعليق المشروع ثم ظهور تصريحات تشير الى ايقافه نهائيا. في تغطيه حديثه، نقل ان وزير الخارجيه قال ان الدراسه "لن تحدث"، مع الاشاره الى ضغوط من المجتمع العلمي ومن مشرعين اميركيين، وهو ما يعني ان القرار لم يعد مساله لجنّه اخلاق محليه فقط، بل قرار سيادي مرتبط بكلفه دوليه وداخليه. هذا التطور يوضح كيف يمكن لجدل اخلاقي ان ينتقل من الورق الى الجيوسياسه: حين تتدخل منظمات دوليه، ويضغط خبراء، ويتحرك سياسيون، يصبح استمرار تجربه موضع نزاع جزءا من صوره دوله امام العالم.
يبقى السؤال: كيف بدأت القضيه ولماذا انفجرت تحديدا الان؟ بدأت حين تلاقت ثلاثة مسارات في توقيت واحد: تمويل اميركي لمسار بحثي حساس، وتصميم تجربة يضع "التاخير" كمتغير رئيسي على فئه لا تملك اختيارها، وسياق سياسي عالمي متوتر حول اللقاحات والثقه بالسلطات الصحيه. انفجرت لان الاعتراض لم يات من ناشطين فقط، بل من اعلى مرجعيه صحيه دوليه عبر بيان رسمي، ولان حكومة البلد المضيف لم تتبن موقف دفاع بل اتجهت الى التعليق والمراجعه ثم الاقفال، وهو ما منح القصه بعدا اخلاقيًا واضحا: ليست "نقاشا علميا" فحسب، بل اختبارا لحدود ما يمكن فعله باسم العلم.
اما لماذا تثير الجدل الى هذا الحد، فببساطه لانها تعيد طرح سؤال قديم بصيغه حديثه: هل يسمح الفرق في الموارد والبنى الصحيه بان تصبح بعض المجتمعات ساحه لتجارب لا يمكن تمريرها بسهولة في بلدان غنيه؟ المدافعون يجيبون بان البحث يجب ان يتم حيث تكون الاسئله الصحيه ملحّه، وان كثيرا من الابتكارات الصحيه جاءت من تجارب ميدانيه في بيئات محدوده الموارد. المنتقدون يردون بان "المكان الملح" ليس مبررا لاستخدام معيار رعايه ادنى، وان العداله تقتضي ان يكون الهدف الاول هو توفير التدخل المثبت لا تعليقه لغايه القياس. وبين الطرفين، تكمن نقطه دقيقه: البحث مطلوب، لكن تصميمه يجب ان يبنى بحيث لا يدفع الاضعف ثمن سؤال يمكن الاجابه عنه بوسائل اقل كلفه بشريا.
الخلاصه ان هذه القضيه، وهي آنيه وحديثه جدا، قد تصبح نموذجا مرجعيا للسنوات القادمه في نقاش اخلاقيات البحث الصحي العالمي: كيف نوازن بين ضروره الادله الميدانيه وبين عدم تعريض فئات هشّه لحرمان من تدخلات مثبته؟ وكيف نضمن موافقات اخلاقية شفافة ومتعددة المستويات؟ وكيف نتجنب تسييس العلم بحيث يتحول البحث الى اداه في صراع سرديات؟ الاجابات ستعتمد على ما ستقرره غينيا بيساو نهائيا في تقارير المراجعه، وما اذا كانت الجهات الممولة ستعيد تصميم اي دراسه مستقبلية بطريقة تضع "عدم الحجب" كقاعدة، لا كمتغير تجريبي.

التعليقات