السؤال "لماذا الان؟" في قضية ابستين لا ياتي من فراغ، لان توقيت فتح ارشيف ثقيل لا يفسر عادة باعتباره خطوة ادارية فقط، بل باعتباره لحظة سياسية واعلامية واخلاقية في الوقت نفسه.هذا السؤال بات محور التغطيات العالمية لان التوقيت بحد ذاته يحمل دلالات تتجاوز مضمون الوثائق.ما جعل الجدل يشتعل من جديد هو ان نشر الملفات جاء بحجم ضخم وبخطاب رسمي يوحي بالحسم، بينما رد الفعل العام قرأه كاشارة الى ان"الملف لم يكتمل"او ان"الحقيقة كانت محجوبة". في تغطيات هذا الاسبوع، ظهر تفسير مركب للتوقيت:جزء منه الزام قانوني، جزء منه ادارة ثقة عامة، وجزء منه صراع رقابي داخل الدولة حول من يملك الحق في الاطلاع على النسخ الكاملة غير المنقحة.
من المهم هنا التمييز بين الدافع القانوني والدافع السياسي، لان الخلط بينهما هو ما يولد الالتباس في الرأي العام. من ناحية رسمية، التوقيت يرتبط بما قيل انه تنفيذ لمتطلبات تشريعية تتعلق بالافراج عن ملفات ابستين.فقد نقلت تغطيات ان وزارة العدل الاميركية افرجت عن دفعة ضخمة(ذُكر انها تتجاوز 3 ملايين وثيقة) بوصفها جزءا من مسار افراج وثائقي فرضته متطلبات رقابية/تشريعية، مع تصريحات من تود بلانش تؤكد ان الهدف هو استكمال المراجعة واغلاق باب الحديث عن "ادلة مخفية" او"تستر". لكن هذا التفسير القانوني، حتى لو كان دقيقا، لا يجيب وحده عن شعور الجمهور بان "الان" اختيار مقصود. السبب ان القانون يحدد وجوب الافراج، لكنه لا يحدد وحده اثره الاعلامي:عندما تخرج ملفات بهذا الحجم دفعة واحدة، تصبح اشبه بحدث عام مستقل، لا مجرد اجراء نشر، خصوصا اذا ارتبطت بنقاش حول شخصيات عامة وردت في مراسلات او سجلات اتصال، مع التشديد ان ورود الاسم في الوثائق لا يساوي اتهاما قضائيا.
هذه النقطة تحديدا تفسر لماذا تحولت عملية نشر ادارية الى قضية رأي عام بامتياز.الطبقة الثانية في تفسير"لماذا الان؟" هي الطبقة السياسية/الرقابية داخل واشنطن.فبعد الافراج، تصاعدت مطالبة اعضاء في لجنة القضاء في مجلس النواب الاميركي بالاطلاع على النسخ غير المنقحة من الملفات، بحجة التحقق من الالتزام بالقانون وبحجة ان ما نُشر قد يكون غير كامل.بيان رسمي من مكتب النائب جيمي راسكين اشار الى طلب ترتيب مراجعة للملفات غير المنقحة الموجودة لدى وزارة العدل، وهو ما يعني عمليا ان القضية لم تعد فقط"ملف جنائي قديم"، بل اصبحت ايضا ساحة نزاع حول الشفافية وحدودها ومن يملك صلاحية تقييمها.كما تناولت تغطيات اخرى ان هذا الصراع يتغذى على اتهامات متبادلة بالتستر او بعدم الافصاح الكامل، وهو ما يجعل توقيت النشر يبدو كاستجابة لضغط رقابي اكثر منه مبادرة طوعية.
هنا، يتحول سؤال التوقيت من سؤال اعلامي الى سؤال مؤسسي يتعلق بتوازن السلطات داخل الدولة. الطبقة الثالثة، وهي الاكثر حساسية اليوم، تتعلق بما حدث اثناء النشر نفسه:كيف يمكن لفتح ارشيف باسم الشفافية ان يتحول الى جدل اخلاقي بسبب حماية الضحايا؟ هنا يبرز عامل اشعل النقاش بسرعة:تقارير صحافية قالت ان عملية التنقيح فشلت في اخفاء بيانات تعريفية لعدد كبير من الضحايا، وان نشر الوثائق اظهر اسماء وتفاصيل كان يفترض حجبها، ما جعل محامي الضحايا يتحدثون عن"اعادة ايذاء" ويطالبون بتدخل قضائي ومراجعة مستقلة لالية النشر.هذه النقطة تغير معنى"لماذا الان؟" من مجرد توقيت سياسي الى سؤال عن الجاهزية المؤسسية:هل كان الهدف اطلاق الدفعة بسرعة لاغلاق الجدل، حتى لو على حساب اجراءات تدقيق كافية؟ وهل تتحول الشفافية الى ضرر عندما لا تُصمم حول مبدأ"لا تؤذ"في قضايا الاستغلال الجنسي؟ وبهذا المعنى، يصبح توقيت فتح الارشيف جزءا من قصة ثانية:ليس فقط ماذا تكشف الوثائق، بل ماذا تكشف طريقة كشفها عن اولويات الدولة وحدود كفاءتها في التعامل مع ضحايا ما زالوا يدفعون ثمنا اجتماعيا ونفسيا.
هذه الزاوية الاخلاقية هي ما اعاد للقضية بعدها الانساني بقوة في التغطيات الاخيرة.الخلاصة ان"لماذا الان؟" يمكن قراءتها كتقاطع بين ثلاث دوافع:الزام تشريعي يدفع نحو الافراج، وضغط رقابي/سياسي يطالب بالمزيد ويشكك في الكفاية، وديناميكية اعلامية تجعل اي دفعة وثائق ضخمة حدثا يعيد تشغيل القصة.لكن المفارقة ان الهدف المعلن عادة هو تهدئة الشكوك ورفع الثقة، بينما النتائج قد تعكس العكس اذا ظهرت اخطاء تنقيح او اذا شعر الجمهور ان كثرة الوثائق لم تنتج وضوحا قضائيا. لذلك عادت قضية ابستين للواجهة "الان" لان الارشيف فُتح في لحظة حساسة:لحظة يتنافس فيها حق المجتمع في المعرفة مع واجب حماية الضحايا ومع معيار الادلة الذي لا يتحرك وفق الصدمة بل وفق القابلية للتقاضي.

التعليقات