تبدو ذا لاين، ضمن مشروع نيوم، كاكثر تجارب"المستقبل الان"جرأة في العمران العالمي، ليس فقط بسبب حجمها الهندسي غير المسبوق، بل بسبب ما تمثله من قطيعة واعية مع النموذج الحضري التقليدي.فهي مدينة خطية فائقة الكثافة، تعد بحياة بلا سيارات، وبخدمات يومية على مسافة خمس دقائق مشيا، وبنقل فائق السرعة يختصر المسافات الطويلة الى دقائق.في السردية الرسمية، لا تقدم ذا لاين بوصفها مجرد مبان طويلة او مشروع تطوير عقاري ضخم، بل بوصفها اعادة تعريف كاملة لمعنى المدينة ذاتها:وظائف يومية مضغوطة، بنية تحتية اقل تمددا، واثر ارضي محدود مقارنة بالمدن الافقية.ومع ذلك، فان القيمة التحليلية لــ"ذا لاين"اليوم لا تكمن فقط في صورها المستقبلية اللافتة، بل في كونها مرآة للواقع السياسي والاقتصادي والتقني الذي ينتج"مستقبلنا القريب"فعليا، لا نظريا فقط.
من هذا المنطلق، تطرح ذا لاين اسئلة تتجاوز الهندسة:من يملك حق تخطيط المدن من الصفر؟ كيف يتم تمويل"المستقبل"في عالم يعاني من تباطؤ اقتصادي وتنافس استثماري؟ ومتى تتحول الرؤية الطموحة الى مراجعة واعادة تصميم تحت ضغط الكلفة والوقت؟ منذ اعلان الخصائص الهندسية للمشروع، بقيت الارقام الكبرى جزءا من الخطاب العام:طول 170 كيلومترا، عرض 200 متر، ارتفاع 500 متر، واستيعاب نهائي يصل الى 9 ملايين نسمة، ضمن بصمة تبلغ 34 كيلومترا مربعا.هذه الارقام ليست تفصيلا هندسيا محايدا، بل رسالة سياسية واقتصادية عن القدرة على انتاج نموذج حضري جديد بكثافة غير مسبوقة.وهي في الوقت نفسه نقطة اختبار حاسمة:هل يمكن تحويل"المستقبل الان"الى واقع مرحلي قابل للانجاز، ام انه سيعاد تعريفه ليصبح مستقبلا انتقائيا باحجام اصغر واهداف اكثر براغماتية؟
يعرض"ذا لاين"نفسه كمشروع يهاجم مشكلات المدينة الحديثة من جذورها، وليس من هوامشها.فالازدحام، والتمدد الافقي، وارتفاع استهلاك الطاقة، وتضخم وقت التنقل اليومي، كلها مشكلات تعتبر في الخطاب الرسمي نتائج مباشرة لشكل المدينة التقليدية.وفقا للمواصفات المعلنة، يتمحور التصميم حول فكرة"الخمس دقائق":احتياجات يومية ضمن خمس دقائق مشيا، مع سكة نقل عالي السرعة تربط اطراف المدينة في 20 دقيقة، وبصمة عمرانية صغيرة نسبيا قياسا بعدد السكان المستهدفين.من حيث التخطيط، لا يمكن اعتبار هذه الوعود مجرد عناصر رفاهية، بل محاولة واعية لصناعة"اقتصاد زمن"جديد داخل المدينة، حيث تتحول المسافة من عبء يومي خانق الى عنصر شبه غير مرئي، وتتحول البنية التحتية من شبكة واسعة ممتدة افقيا الى نظام مضغوط عالي الكفاءة.
الجزء الاكثر اثارة للجدل والفضول في هذا النموذج الحضري يتمثل في انه لا يتعامل مع المدينة باعتبارها شوارع وواجهات ومحاور حركة، بل باعتبارها"طبقات"ووحدات وظيفية داخل كتلة عمرانية مستمرة.قدم المشروع المدينة بوصفها 170 كيلومترا من"واجهات عاكسة"داخل شريط بعرض 200 متر وارتفاع 500 متر فوق سطح البحر، مع هدف استيعاب 9 ملايين نسمة ضمن 34 كيلومترا مربعا.في هذا السياق، تبرز فكرة"المستقبل الان"بمعناها الحرفي:المدينة ليست تطورا تدريجيا كما عرفتها التجارب التاريخية، بل منتج يتم تصميمه دفعة واحدة وفق تصور اداري–تقني شامل، بحيث تصبح معايير البيئة، والتنقل، والخدمات، وحتى"الطقس المثالي"داخل نطاق العيش، جزءا من وعد تخطيطي مسبق لا مناخا اجتماعيا ينشأ تلقائيا.
لكن قيمة المشروع التحليلية لا تقتصر على الشكل العمراني وحده.فـ"ذا لاين"تقدم نفسها ايضا كاستجابة مباشرة لمرحلة عالمية تتصاعد فيها سياسات خفض الانبعاثات واعادة تنظيم المدن الكبرى، وهو ما يفسر ربطها بخطاب"مدينة بلا سيارات وبلا شوارع".
غير ان ما يجعل التجربة مصنفة بوضوح ضمن"المستقبل الان"هو ان هذا الوعد البيئي يفترض تكنولوجيا ادارة وتشغيل شديدة الاعتمادية:نقل عام فائق الكفاءة، انظمة تشغيل تعمل على مدار الساعة، ومعايير بناء قادرة على احتواء كثافة سكانية عالية داخل كتلة ضيقة.هنا تبرز نقطة حساسة:اي خلل في هذا النظام التشغيلي قد يحول الميزة النظرية الى هشاشة عملية، ويكشف ان مستقبل المدينة لا يصنعه التصميم وحده، بل ايضا حوكمة المخاطر، وقدرة التمويل، واستمرارية التشغيل.
ابتداء من عام 2024، بدأ خطاب"المستقبل الان"حول ذا لاين يدخل مرحلة اكثر واقعية، حين بدأت مصادر دولية موثوقة تتحدث بصورة متزايدة عن ضغوط الكلفة والاولويات داخل المشاريع العملاقة، بما في ذلك نيوم وذا لاين.نقل عن مصادر مطلعة ان التكاليف"تضخمت"، وان ذا لاين وحده كان متوقعا ان يكلف"اكثر من تريليون دولار".اهمية هذا الرقم لا تكمن فقط في حجمه المطلق، بل في دلالته السياسية والاقتصادية:عندما تصل مدينة واحدة الى مستوى تريليون دولار، فانها تبدأ بمنافسة محافظ استثمارية كاملة وموازنات طويلة الامد، ما يجعل القرارات المرتبطة بها خاضعة لمنطق العائد الزمني القصير والمفاضلة بين المشاريع.
في عامي 2025 و2026، اتخذ هذا النقاش بعدا اكثر وضوحا.لم يعد الامر مجرد تكهنات او شائعات عن تقليص، بل دخل مرحلة"المراجعة واعادة التصميم".اشير الى ان المشروع يجري تقليصه واعادة تصميمه بسبب تاخيرات وتجاوزات كلفة وقيود مالية، مع تحول واضح نحو نموذج اكثر تواضعا واستدامة، والتركيز على ان يكون مركزا للبيانات والذكاء الاصطناعي.ولفت الى ان مراجعة استمرت قرابة عام بقيادة رئيس تنفيذي جديد، من المتوقع ان تنتهي مطلع 2026.هذا التحول في السردية بالغ الدلالة:فـ"المستقبل الان"لا يعني التمسك بالشكل الاكثر طموحا مهما كانت الكلفة، بل يعني احيانا اعادة تعريف المستقبل نفسه بما يتوافق مع الواقع المالي وتوازن الاولويات الوطنية.
وتضاف زاوية اكثر تحديدا حين يُذكر تركيز العمل على"مقطع"بطول 2.4 كيلومتر لاستيعاب مكونات مرتبطة بكاس العالم، وهو ما يوحي بان استراتيجية التنفيذ قد تتجه نحو مراحل رمزية قابلة للعرض والتشغيل، بدلا من البناء المتصل على كامل الطول.في السياق نفسه، يشار الى حجم صندوق الاستثمارات العامة بنحو 925 مليار دولار، وهو رقم يوضح بجلاء لماذا تصبح المفاضلة بين المشاريع ضرورة ادارية حتى في ظل صندوق سيادي ضخم.
النتيجة التحليلية هنا ان ذا لاين تتحول تدريجيا من كونها"مدينة بطول 170 كيلومترا"يتم تنفيذها كحزمة واحدة، الى كونها"سلسلة مراحل"يعاد تعريفها وفق منطق قابلية التمويل والتسويق.وهذا التحول لا يعني بالضرورة انهيار الفكرة، بل يعكس انتقالها من مستوى الرؤية المطلقة الى مستوى البراغماتية التنفيذية.فالمستقبل، حين يدخل مرحلة التنفيذ، يصبح حوارا دائما بين الطموح والميزانية والوقت.
في هذا السياق، يجب قراءة ذا لاين ايضا بوصفها استثمارا في الصورة والسردية بقدر ما هي استثمار في الخرسانة.فالمشروع جزء من رؤية السعودية 2030، التي تهدف الى تنويع الاقتصاد وبناء قطاعات جديدة.وجود مشروع بهذا الحجم يمنح الدولة منصة عالمية لاعادة تموضعها كقوة قادرة على انتاج نموذج حضري جديد وجذب راس المال والموهبة.غير ان معركة المستقبل هنا ليست معركة تصميم فقط، بل معركة ثقة:المستثمر يريد مراحل قابلة للتحقق، والقطاع التقني يريد بنية تحتية مستقرة، والجمهور العالمي يراقب الالتزام بين الوعد والتنفيذ.
من زاوية الحوكمة، تمثل ذا لاين نمطا جديدا من ادارة المجال الحضري، يعتمد على درجة عالية من المركزية والادارة الذكية.وكلما ارتفعت درجة الاعتماد على الخوارزميات والبيانات، ارتفعت اسئلة الخصوصية وحوكمة التشغيل.وهنا تظهر مفارقة"المستقبل الان":التقنية تعد بحل مشكلات المدينة، لكنها تخلق في الوقت نفسه بنية ضبط جديدة شديدة التمركز.
اما اقتصاديا، فان الحديث عن تضخم كلفة ذا لاين الى ما يفوق التريليون دولار يضع المشروع ضمن فئة الاصول العملاقة التي تحتاج الى اعادة تصميم مستمرة لتحقيق عوائد قابلة للقياس.ولهذا يبدو التحول نحو البيانات والذكاء الاصطناعي مسارا عمليا لتحويل"المستقبل"الى اصل استثماري اسرع دورة من بناء مدينة مكتملة السكان.
خلاصة القول، اذا كانت ذا لاين عنوانا لورقة تحت تصنيف"المستقبل الان"، فهي اختبار لقدرة التخطيط على اعادة اختراع المدينة، واختبار لقدرة التمويل على حمل طموح يتجاوز المقاييس التقليدية، واختبار لقدرة الحوكمة على تشغيل مدينة فائقة الكثافة دون ان تتحول الى مشروع صورة.الارقام المعلنة ما تزال ترسم سقفا طموحا، لكن الطريق الى هذا السقف يمر عبر اعادة تعريف تدريجية للمستقبل نفسه.وفي هذا المعنى تحديدا، تصبح ذا لاين ليست فقط مدينة المستقبل، بل مختبرا حيا لكيفية صناعة المستقبل تحت ضغط الواقع.

التعليقات