"عدالة الأغنياء" في قضية ابستين: الثروة كعامل مؤجل للمساءلة

المشكلة ليست ان القانون لا يعاقب، بل ان الثروة تمنح وقتا ومسارا اطول قبل ان تصل العقوبة.

"عدالة الأغنياء" في قضية ابستين: الثروة كعامل مؤجل للمساءلة

تبدو فكرة عدالة الاغنياء للوهلة الاولى شعارا شعبيا، لكنها في الواقع سؤال مؤسسي صلب:هل تتصرف منظومة العدالة كميزان واحد، ام كميزانين؛ واحد لمن يملك المال والعلاقات والسمعة، وواحد لمن لا يملك سوى جسده وصوته؟ قضيةJeffrey Epstein تصلح كنموذج شديد الكثافة لانها تكشف كيف يمكن للثروة ان تتحول الى بنية حماية متعددة الطبقات:محامون نخبة، تفاوض مغلق، شبكات نفوذ، وصناعة رواية عامة تتقدم على سرد الوقائع.جوهر الزاوية هنا ليس في تفاصيل الجريمة، بل في السؤال البنيوي:هل كان يمكن ان يستمر المسار ذاته لو كان المتهم بلا اموال ولا علاقات؟ ام ان الوقت الذي منحه المال للقضية هو ما صنع الفارق بين مساءلة مبكرة وحاسمة، وبين سنوات من التأجيل والالتفاف؟

اول ما تكشفه هذه القضية هو ان الثروة لا تشتري الحكم بالمعنى المباشر، لكنها تستطيع احيانا ان تعيد ترتيب شروط اللعبة قبل ان تصل الى المحكمة اصلا:فريق دفاع عالي الكلفة، قدرة على خوض تفاوض مطول مع الادعاء، وامكانية ادارة ملف الازمة بعقلية تقليل الخسائر بدل مواجهة شفافة.مثال ذلك اتفاق عدم الملاحقة الذي ابرمته جهة الادعاء الفدرالي في فلوريدا عام 2008 المعروف باتفاق NPA، والذي ظل لسنوات نقطة جدل لان نطاقه وصياغته بدت استثنائية مقارنة بما يراه كثيرون مسارا اعتياديا في قضايا مشابهة.وثائق الاتفاق نفسها تظهر بنودا غير مألوفة في تصور العدالة العامة، مثل ترتيبات تتعلق باخطار الضحايا وتمثيلهم وطبيعة التواصل معهم، وهو ما عزز الانطباع بان عملية التفاوض لم تكن اجراء روتينيا بل هندسة تسوية في مسار عالي الحساسية.

ثاني ما تكشفه القضية هو قوة العلاقات كرافعة موازية للمال:حين يتحرك ملف من هذا النوع داخل دوائر نخبوية، يصبح الفارق بين اتهام يتقدم وملف يهدأ متعلقا ايضا بقدرة اصحاب النفوذ على الوصول، والتواصل، وتقديم القضية في صورة قابلة للاحتواء.تقرير مكتب المسؤولية المهنية في وزارة العدل الاميركية (OPR) حول تعامل الادعاء مع الملف في 2007–2008 يقر بوجود سوء تقدير في قرارات بعينها، حتى لو خلص الى عدم ثبوت سوء سلوك مهني يستوجب عقوبات.هذه اللغة مهمة:هي لا تقول ان النظام نظيف تماما، ولا تقول انه فاسد تماما، لكنها تقول ان اخطاء الحكم والاختيار في قضايا النفوذ يمكن ان تقع، وان كلفتها على الثقة العامة هائلة، خصوصا عندما يشعر الناس ان معيار المعاملة ليس واحدا.

ثالثا، تتجلى عدالة الاغنياء في القدرة على التحكم بالرواية العامة بقدر ما هي القدرة على التحكم بالمسار القانوني.الشخص الثري لا يعتمد فقط على المحكمة، بل على منظومة موازية:علاقات عامة، رسائل محامين للصحافة، تسويات مدنية قد تكون مشروعة قانونيا لكنها تظل مؤثرة اجتماعيا، واتفاقات سرية تقلص حجم المعلومات المتاحة للرأي العام.حتى التغطيات الاستقصائية التي لعبت دورا حاسما في اعادة فتح النقاش حول صفقة فلوريدا تشير الى ان الصمت لم يكن صدفة، بل نتيجة توازن قوة مختل:ضحايا بموارد محدودة في مواجهة ماكينة قانونية ومالية قادرة على الاستنزاف.وقد منحت جوائز صحافية بارزة لعملMiami Heraldالاستقصائي الذي سلط الضوء على طبيعة الصفقة وما ترتب عليها، وهو مؤشر على ان المعرفة العامة في هذه القضية لم تكن لتتوسع لولا صحافة متخصصة كسرت حاجز الهيبة حول الاسم والثروة.

لكن هل هذه القصة حالة شاذة؟ الادبيات والدراسات حول العدالة واللامساواة تشير الى ان المال يؤثر على نتائج العدالة الجنائية في مواضع عديدة حتى خارج قضايا المشاهير:من القدرة على دفع الكفالة وتجنب الحبس السابق للمحاكمة(الذي يضغط على المتهمين للقبول بتسويات)، الى جودة التمثيل القانوني، الى القدرة على تحمل كلفة التقاضي الطويل.وفي المقابل، يتحول الفقر ــ عبر الغرامات والرسوم والديون وتبعات السجن ــ الى آلية استنزاف ثروة تعيد انتاج عدم المساواة، بحيث لا تكون العدالة مجرد قرار قضائي، بل مسارا اجتماعيا واقتصاديا يترك اثره على الاسرة والعمل والصحة.هذه الصورة الواسعة تدعم الفكرة الجدلية للورقة:ليس بالضرورة ان هناك قانونين مكتوبين، لكن هناك في الممارسة مسارين متباينين؛ مسار سريع وقاسٍ لمن لا يملك، ومسار قابل للتفاوض والتأجيل لمن يملك.

في ضوء ذلك، يمكن اعادة صياغة سؤال الورقة بدقة اكبر:لو لم يكن ابستين ثريا، لربما لم يمتلك القدرة على تجميع دفاع نخبة، ولا على تحويل المواجهة الى عملية تفاوض مغلقة، ولا على الاستفادة من تكلفة الضجيج التي تجعل بعض المؤسسات تفضل الاحتواء على المواجهة.هذا لا يعني ان العدالة كانت ستتحقق تلقائيا، ولا يعني ان الفقراء يحصلون دائما على انصاف، لكنه يعني ان هوامش المناورة التي يمنحها المال قد تغير الجدول الزمني للمساءلة، ونطاق المعلومات المتداولة، وشكل التسوية الممكنة.والاخطر ان تكرار هذا الانطباع ــ سواء كان صحيحا في كل تفصيل ام لا ــ يوسع فجوة الثقة:حين يعتقد الناس ان العدالة انتقائية، يصبح القانون نفسه اضعف في الردع والشرعية.لذا، فان الخلاصة العملية ليست اخلاقية فقط، بل مؤسسية:تقليص تأثير المال في العدالة يتطلب اصلاحات ملموسة(شفافية اكبر في صفقات الادعاء، تقوية حقوق الضحايا في الاطلاع، ضبط تضارب المصالح، تقليل اعتماد النظام على الكفالات المالية، وتمويل دفاع عام قوي)، كي لا تبقى العدالة قابلة للتفاوض بحسب حسابات الثروة والنفوذ، وحتى لا يتحول كل ملف كبير الى سؤال واحد يتكرر:هل هذا نظام واحد…ام نظامان؟

 

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
عدالة الاغنياء في قضية ابستين- الثروة كعامل مؤجل للمساءلة.pdf
190.6 KB