صناعة الإعلانات في رمضان كاقتصاد عاطفي موسمي

إعلان رمضان لا يبيع منتجًا… بل يشتري مكانًا في لحظة وجدانية مشتركة.

صناعة الإعلانات في رمضان كاقتصاد عاطفي موسمي

حين يُذكر اقتصاد رمضان، تتجه الأنظار عادة إلى أسواق المواد الغذائية، موائد الإفطار، وتغير أنماط الاستهلاك.غير أن الجانب الأكثر إثارة وربما الأكثر تأثيرًا في هذا الموسم هو صناعة الإعلان والمحتوى. ففي العديد من الدول العربية والإسلامية، يُعد رمضان"الموسم الذهبي" للإعلانات التلفزيونية والرقمية، ليس فقط بسبب ارتفاع معدلات الاستهلاك، بل بسبب التحول العميق في المزاج الجمعي وأنماط المشاهدة والسلوك الاجتماعي.هنا لا تُباع الإعلانات كمساحات زمنية فحسب، بل كفرص استراتيجية لبناء علاقة عاطفية طويلة الأمد بين العلامة التجارية والجمهور.

يتميّز رمضان بخصوصية زمنية نادرة في الاقتصاد الإعلامي:هناك لحظة يومية شبه موحّدة يتجمع فيها ملايين الأشخاص حول مائدة الإفطار، ثم أمام الشاشة. ترتفع نسب المشاهدة بشكل ملحوظ بعد أذان المغرب، وتمتد ذروة المتابعة إلى ساعات متأخرة من الليل.هذه اللحظة الجماعية تجعل من"الوقت"سلعة ذات قيمة مضاعفة.فالمساحة الإعلانية التي قد تُقاس بالثواني في بقية أشهر السنة، تُقاس في رمضان بقيمة التأثير والانتشار والرمزية. لذلك تتنافس العلامات التجارية بقوة على حجز أوقات الذروة، خصوصًا خلال عرض المسلسلات والبرامج الرمضانية ذات الشعبية العالية.

لكن ما يجعل الإعلان الرمضاني مختلفًا ليس فقط ارتفاع المشاهدة، بل طبيعة الرسالة نفسها.فالإعلانات خلال هذا الشهر غالبًا ما تحمل سرديات عن العائلة، الكرم، لمّ الشمل، التسامح، والامتنان.حتى عندما يتعلق الأمر بمنتج استهلاكي بحت، فإن الرسالة تُغلف بقيم روحية واجتماعية.إعلان لمشروب غازي قد يتحول إلى قصة عن الأب الذي ينتظر أبناءه على مائدة الإفطار.إعلان لشركة اتصالات قد يصبح حكاية عن صلة الرحم أو دعم المحتاجين.هذا الدمج بين القيم الروحية والرسائل التجارية لا يحدث عشوائيًا، بل يعكس ذكاء تسويقيًا يفهم أن رمضان ليس مجرد سوق استهلاكي، بل حالة وجدانية جماعية.

اقتصاديًا، يتحول رمضان إلى دورة إنتاج محتوى مكثفة.شركات الإنتاج التلفزيوني تجهز أعمالها قبل أشهر، والمنصات الرقمية تطلق حملاتها التفاعلية، والمؤثرون يعيدون تشكيل خطابهم ليتماشى مع أجواء الشهر.الإعلانات نفسها لم تعد مجرد فواصل قصيرة؛ بل أصبحت"أعمالًا درامية مصغّرة"قد تمتد لدقائق وتحصد ملايين المشاهدات على المنصات الرقمية.هنا يتوسع مفهوم الإعلان من أداة بيع إلى منتج محتوى قائم بذاته، يُشارك ويُناقش ويُعاد نشره.

هذا التحول يكشف عن مفهوم أعمق يمكن تسميته"الاقتصاد العاطفي".ففي رمضان، لا تُقاس قيمة الإعلان فقط بعدد مرات ظهوره، بل بقدرته على إثارة مشاعر الانتماء والحنين والتعاطف. الجمهور في هذا الشهر يكون أكثر استعدادًا للتفاعل مع الرسائل التي تمس القيم الإنسانية.ومن ثم، فإن العلامات التجارية التي تنجح ليست بالضرورة تلك التي تعرض منتجها بشكل مباشر، بل تلك التي تدمجه ضمن قصة إنسانية مؤثرة.

في المقابل، يطرح هذا المشهد سؤالًا أخلاقيًا:إلى أي مدى يمكن توظيف القيم الروحية في خدمة أهداف تجارية؟ هل يصبح الخط الفاصل بين التعبير الصادق عن القيم واستغلالها للترويج أكثر ضبابية؟ بعض النقاد يرون أن هذا التداخل قد يحوّل المشاعر الدينية والاجتماعية إلى أدوات تسويقية، فيما يرى آخرون أنه انعكاس طبيعي لتفاعل السوق مع الثقافة السائدة.في النهاية، الإعلان جزء من النسيج الاجتماعي، ويتأثر بما يؤثر فيه.

التحول الرقمي أضاف بعدًا جديدًا لاقتصاد الإعلان الرمضاني.فبينما كان التلفزيون تقليديًا هو المنصة الأساسية، أصبحت المنصات الرقمية تنافس بقوة.الحملات اليوم لا تقتصر على بث إعلان، بل تشمل تحديات تفاعلية، وهاشتاغات، ومسابقات، ومحتوى قصير موجه لمستخدمي الهواتف الذكية.هذا التعدد في القنوات يمنح العلامات التجارية قدرة على استهداف شرائح مختلفة، مع الحفاظ على السردية الرمضانية الجامعة.

ومن الناحية الاقتصادية البحتة، يمثل رمضان فترة انتعاش لكثير من القطاعات المرتبطة بالإعلام:شركات الإنتاج، المخرجون، كتاب السيناريو، المصممون، وفرق التسويق.إنه موسم يُعاد فيه توزيع الميزانيات الإعلانية، وتُضخ استثمارات كبيرة في حملات قصيرة الأمد لكنها ذات أثر طويل. بعض العلامات التجارية تبني هويتها بالكامل على حضورها الرمضاني السنوي، بحيث ينتظر الجمهور إعلانها كما ينتظر مسلسلًا جديدًا.

في النهاية، يعكس الإعلان الرمضاني فهمًا عميقًا للعلاقة بين الاقتصاد والثقافة.السوق هنا لا يعمل بمعزل عن القيم، بل يتداخل معها ويعيد صياغتها.رمضان ليس مجرد شهر ترتفع فيه المبيعات؛ بل لحظة زمنية تتكثف فيها المشاعر الجماعية، ويصبح الإعلان فيها أداة لسرد قصة أكبر من المنتج نفسه.وبينما قد يبدو المشهد تجاريًا في ظاهره، فإنه في جوهره يعكس تفاعلاً معقدًا بين الروح والسوق، بين الذاكرة الجماعية والرسالة التسويقية.

وهكذا، فإن صناعة الإعلان في رمضان ليست مجرد نشاط موسمي، بل مرآة لاقتصاد يفهم أن التأثير الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم المبيعات، بل بعمق العلاقة التي تُبنى مع الجمهور في لحظة وجدانية مشتركة.