اكتشاف جديد في النيجر يعيد كتابة تاريخ السبينوصورات قبل 95 مليون سنة

اكتشاف سبينوصور النيجر يكشف أن السبينوصورات لم تكن كائنات بحرية بالكامل، بل مفترسات متكيفة مع أنظمة نهرية داخلية غنية بالحياة.

اكتشاف جديد في النيجر يعيد كتابة تاريخ السبينوصورات قبل 95 مليون سنة

في عام 2026، أعلن علماء حفريات عن اكتشاف نوع جديد من السبينوصورات في صحراء النيجر أطلقوا عليه الاسم العلمي Spinosaurus mirabilis، والذي يمكن ترجمته إلى"السبينوصور المذهل".هذا الديناصور الجديد المكتشف في النيجر لا يمثل مجرد إضافة نوعية إلى سجل الحفريات، بل يشكل نقطة تحول في فهمنا لطبيعة حياة السبينوصورات:هل كانت ديناصورات مائية بالكامل كما كان يُعتقد؟ أم أنها كانت مفترسات تعيش بين اليابسة والمياه الضحلة؟

لفهم أهمية هذا الاكتشاف، علينا أن نتذكر أن السبينوصورات هي مجموعة من الديناصورات اللاحمة الضخمة عاشت خلال العصر الطباشيري.وقد اشتهرت بجماجمها الطويلة الشبيهة بالتماسيح، وأسنانها المخروطية، إضافة إلى الأشواك العظمية الطويلة على ظهرها.النوع الأشهر سابقًا، سبينوصور مصر(Spinosaurus aegyptiacus)، عُثر عليه في رواسب ساحلية قديمة في شمال أفريقيا، ما عزز الفرضية القائلة بأن هذه الديناصورات كانت مرتبطة بالمياه وربما سباحة نشطة في البيئات البحرية.

لكن الديناصور الجديد المكتشف في النيجر—Spinosaurus mirabilis—جاء من موقع مختلف تمامًا.فقد عُثر على حفرياته في رواسب نهرية داخلية، بعيدة مئات الكيلومترات عن أي شاطئ قديم.وهذا التفصيل الجيولوجي بالغ الأهمية، لأنه يشير إلى أن هذا النوع عاش في بيئة أنهار ومستنقعات ومسطحات مائية عذبة، وليس في بحار مفتوحة.

هذا يعني أن صورة"السبينوصور المائي بالكامل"تحتاج إلى مراجعة.فقبل نحو 95 مليون سنة، خلال أواخر العصر الطباشيري، لم تكن النيجر التي نعرفها اليوم صحراء قاحلة تمتد فيها الرمال إلى الأفق، بل كانت جزءًا من نظام بيئي غني بالمياه. تشير الدراسات الجيولوجية إلى وجود شبكة واسعة من الأنهار المتفرعة والبحيرات الداخلية والمستنقعات الموسمية، كانت تغذيها أمطار موسمية ومصادر مائية مستمرة.هذه الأنهار لم تكن مجرد مجاري ضحلة، بل أنظمة مائية عريضة بطيئة الجريان، تحيط بها نباتات كثيفة ومناطق رطبة وفيرة.

كما كشفت الحفريات عن وجود تنوع بيولوجي كبير في تلك المنطقة، بما في ذلك أسماك ضخمة مثل Mawsonia، وقشريات، وزواحف مائية، إضافة إلى ديناصورات عاشبة كانت ترتاد ضفاف المياه.هذا المشهد البيئي يشبه إلى حد ما دلتا نهرية واسعة أو سهول فيضية استوائية، لا بيئة بحرية مفتوحة.لذلك فإن وجود سبينوصور عملاق في هذا السياق يعكس تكيفًا مع بيئة نهرية داخلية غنية بالموارد، وليس مع محيطات عميقة كما كان يُفترض سابقًا.

تحليل الجمجمة والأسنان في Spinosaurus mirabilis يقدم أدلة قوية على هذا النمط من الحياة.فالجمجمة طويلة وضيقة، والأسنان مخروطية ومتداخلة بحيث تدخل أسنان الفك السفلي بين أسنان الفك العلوي، مشكلة ما يشبه شبكة طبيعية تمنع الفريسة الزلقة من الإفلات.هذه البنية لا تناسب تمزيق لحم فرائس برية كبيرة كما تفعل أسنان الديناصورات اللاحمة الأخرى، بل تناسب الإمساك السريع بالأسماك.كما أن موضع فتحتي الأنف المتراجع إلى الخلف يسمح للحيوان بالتنفس بينما يكون الجزء الأمامي من رأسه مغمورًا في الماء، وهي سمة نراها في حيوانات حديثة متخصصة في الصيد في المياه الضحلة.

ومن أبرز السمات التي تميز هذا النوع الجديد وجود نتوء عظمي كبير ومقوس في مقدمة الجمجمة، لم يُلاحظ بالشكل نفسه في الأنواع الأخرى.يعتقد العلماء أن هذا النتوء كان مغطى بطبقة قرنية في الحياة، وربما استخدم في أغراض اجتماعية مثل جذب الشريك أو استعراض القوة.هذا التفصيل يضيف بعدًا سلوكيًا مهمًا:سبينوصور النيجر لم يكن مجرد مفترس، بل ربما كان يمتلك أنماط تفاعل اجتماعي معقدة.

إعادة تعريف السلوك والتكيف:لماذا يغيّر هذا الاكتشاف فهمنا؟

عندما نقول إن سبينوصور النيجر كان"شبه مائي"، فنحن لا نقصد أنه كان يقضي وقتًا عابرًا قرب الماء، بل إنه طور تكيفات تشريحية وسلوكية تسمح له باستغلال الموارد النهرية بكفاءة عالية.الفرق بين كائن مائي بالكامل وكائن شبه مائي هو فرق تطوري كبير.الكائن المائي الحقيقي يعتمد على السباحة المستمرة ويُظهر تغيرات جذرية في شكل الأطراف والحوض والهيكل.أما الكائن شبه المائي، فيحافظ على قدرته على الحركة البرية مع اكتساب خصائص تساعده على الصيد في المياه الضحلة.

في حالة Spinosaurus mirabilis، تشير الأدلة إلى هذا النموذج الوسطي.فهو ليس سبّاحًا بحريًا غاطسًا في الأعماق، لكنه أيضًا ليس مفترسًا بريًا تقليديًا.إنه صياد يقف على الحدود بين النظامين البيئيين، مستفيدًا من التفاعل بين اليابسة والماء.هذه الاستراتيجية تمنحه ميزة تنافسية في بيئة غنية بالأسماك، وتسمح له باحتلال موقع فريد في السلسلة الغذائية. هذا الاكتشاف يعيد تعريف السبينوصورات كفصيلة.فبدلاً من تصورها كمجموعة ذات نمط حياة واحد، يبدو أنها كانت أكثر تنوعًا مما اعتُقد سابقًا.ربما كانت بعض الأنواع أكثر ارتباطًا بالسواحل، بينما تكيفت أنواع أخرى—مثل سبينوصور النيجر الجديد—مع الأنظمة النهرية الداخلية.

في النهاية، لا يمثل Spinosaurus mirabilis مجرد اسم علمي جديد، بل يمثل إعادة صياغة لفهمنا لطبيعة السبينوصورات.لقد انتقلنا من تصور ديناصور"بحري بالكامل"إلى رؤية مفترس يقف على الحدود بين الماء واليابسة، صيادًا متخصصًا في بيئة أنهار قديمة، في عالم كان مختلفًا جذريًا عن الصحراء التي نعرفها اليوم.وهكذا، فإن اكتشاف سبينوصور النيجر الجديد لا يضيف فقط إلى قائمة الديناصورات، بل يعيد كتابة جزء مهم من تاريخ الحياة قبل 95 مليون سنة—حين كانت المياه تجري في قلب ما أصبح اليوم رمالاً جافة.

 

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)