اوروبا في 2026: كيف انهار الوسط السياسي تحت ضغط الازمات المتراكمة؟

اوروبا في 2026 لا تعاني ازمة انتخابات، بل ازمة حكم في زمن لم تعد فيه الثقة تُصوّت تلقائيا مع الوسط.

اوروبا في 2026: كيف انهار الوسط السياسي تحت ضغط الازمات المتراكمة؟

المقدمة:

بدأت في العقد الأخير ملامحُ تراخي الدور الحاسم للأحزاب السياسية التقليدية الوسطية في أوروبا، ليحلّ محلها مساحات أوسع من التضييق السياسي وصعود تيارات متطرفة وشعبوية.فقد شهدت الانتخابات الوطنية في عدة دول تراجعًا كبيرًا في دعم الأحزاب التقليدية(اليسار الدستوري واليمين التقليدي)لصالح أحزاب جديدة أو متطرفة، سواء على اليمين القومي أو اليسار الراديكالي.هذا التغير يرتبط بإحساس المتزايد لدى الرأي العام بخيبة الأمل من السياسات الاقتصادية والاجتماعية السائدة، وتنامي مخاوف أمنية وسياسية.فقد واجهت أوروبا منذ 2022 صدمات اقتصادية كبيرة تمثلت في تضخُّم قياسي نجم عن أزمات الطاقة وأسعار الغذاء، وصدمات أمنية ناجمة عن الحرب الروسية في أوكرانيا وتبعاتها الإقليمية(من أزمة اللجوء إلى توترات في السياسات الدفاعية)، فضلاً عن موجات هجرة متجددة، وتهديدات إرهابية معقدة.هذه العوامل مجتمعة أضعفت مصداقية الأحزاب التقليدية التي فشلت في تقديم حلول سريعة للمشاكل الجديدة، مما أتاح المجال لأحزاب وشخصيات شعبوية وعدائية تكسب دعمًا كبيرًا بوعدها بـ«حلول سريعة»أو«استعادة الهوية والأمن».

أظهر واقع الانتخابات في دول كبرى مؤخراً مدى اتساع الفجوة بين مواقف الحشود التقليدية وتطلعات الناخبين المتغيرة.فعلى سبيل المثال، خسر تحالف الخضر والاشتراكيين في فرنسا، في 2025، موقعَه الريادي في استطلاعات التأييد مقابل نمو قياسي في دعم حزب«التجمع الوطني»اليميني المتطرف.وفي ألمانيا(فبراير 2025)، تعثرت نتيجة الاشتراكيين(SPD)لتسجل أدنى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية بنسبة 16.5%، بينما ارتفع دعم حزب«البديل من أجل ألمانيا»(AfD)إلى 20.5%، ما مثّل تحولا كبيرًا في توزيع الأصوات التقليدية.كذلك، شكلت الانتخابات النيابية الإسبانية(يوليو 2023)لوحةً مشابهة من انقسام الأصوات؛ إذ تصدّرت قائمة اليمين التقليدي(PP)بنسبة 33.1%في حين حقق اليمين المتطرف(فوكس)12.4%، وأسفرت نتيجةِ البرلمان المعلق عن حكومة هشة.وفي بولندا، أعادت انتخابات 2023 تشكيل الخريطة:فقد عُقد تحالف واسع بين أحزاب الوسط واليسار(30.7%+14.4%+8.6%=53.7%)مقابل 35.4%لحزب القانون والعدالة القومي، مما أدّى إلى ائتلاف متعدد الأطراف يواجه معارضة قوية من القوى اليمينية المتشددة.ويسلط هذا التقارب المتنوّع في الأصوات الضوء على الظاهرة المشتركة:تراجع الأحزاب الكبرى تحت وطأة أزمات بنيوية، وارتفاع حصة القوى الجديدة أو المتطرفة.

أولا:العوامل الاقتصادية وتأثيرها

مرت اوروبا بازمة تضخمية غير مسبوقة بعد 2021، حيث بلغ معدل التضخم في منطقة اليورو ذروته 10.6%في اكتوبر 2022 نتيجة ارتفاع اسعار الطاقة والغذاء.وعلى الرغم من تراجع التضخم تدريجيا الى حوالي 2%بحلول 2025، بقي اثر الصدمة حاضرا في وعي الطبقات الاضعف بوصفه تراجعا فعليا في القدرة الشرائية وتاكلا للمكاسب الاقتصادية.وقد عكست التقارير اتساع نطاق الخسارة الحقيقية لدى الاسر، اذ تشير ابحاث البنك المركزي الاوروبي الى ان نحو 70%من الاسر تكبدت خسائر فعلية بسبب موجة التضخم 2021–2022، وكانت الفئات الاضعف واصحاب الدخل الثابت، خصوصا المسنين، بين الاكثر تضررا.ومع تزايد السخط على تكاليف المعيشة، تعززت نظرة عامة مفادها ان ادوات السياسات الاقتصادية التقليدية، من تشدد مالي او تقييد نقدي، لم تعد وحدها كافية لادارة الصدمات، ولا سيما في ظل حساسية الراي العام تجاه الاصلاحات الهيكلية المكلفة اجتماعيا.في هذا المناخ، وجدت القوى الشعبوية فرصة جاهزة لاعادة صياغة الغضب في خطاب سياسي ضد النخبة، مع وعود قريبة المدى من نوع حماية الحد الادنى المعيشي والدفاع عن الصناعة الوطنية، الامر الذي زاد جاذبيتها لدى الناخبين المتضررين.

ومن هنا يتقاطع ضغط المعيشة مع ضغط النمو البطيء، اذ تعكس توقعات المفوضية الاوروبية لخريف 2025 نموا متواضعا للناتج المحلي الاجمالي الاوروبي بحدود 1.3–1.4%سنويا حتى 2027، بما يعني استمرار تباطؤ النشاط وارتفاع كلفة الانتظار السياسي على الحكومات.هذا التباطؤ يجعل كل حكومة مطالبة بان تقدم نتائج سريعة في بيئة لا تسمح بسهولة بذلك، ويضاعف اثر الازمات على الشرعية السياسية.وتظهر المعضلة بوضوح في حالة المانيا، حيث تداخلت التقلبات التصديرية مع التراجع الصناعي، بينما اشارت تغطيات صحفية الى ان الاقتصاد الاكبر في اوروبا يمر بمرحلة معاناة وان الشركات تواجه صعوبة في اقتناص فرص الاسواق العالمية في ظل انشغال الطبقة السياسية بملفات ضاغطة أخرى وبهذا يصبح الركود النسبي ليس رقما اقتصاديا فقط، بل محركا لتوتر سياسي يضعف قابلية الوسط لتسويق سياسات تدرجية امام جمهور يريد علاجا فوريا.

وتتجسد هذه الديناميات في امثلة وطنية تغذي القصة الاوسع.ففي ايطاليا، ارتبطت سياسات التقشف في الموازنة بتحسن نسبي في ثقة المستثمرين وخفض للعجز من 8.1%في 2022 الى 3%متوقع في 2025، لكن ذلك ترافق مع مؤشرات نمو ضعيفة وتراجع صناعي ملحوظ، بما يعكس مفارقة الاستقرار بلا نمو كمنطق يحسن الانطباع المالي لكنه لا يعيد انتاج الرضا الاجتماعي.وفي اسبانيا، تداخلت مؤشرات نمو غير لامعة مع قلق اجتماعي يتعلق بعدم اليقين الاقتصادي، في سياق سياسي اظهر حساسية عالية تجاه الاستثمار والاستهلاك.وعلى الرغم من تحسن نسبي في سوق العمل، بقيت الضغوط التضخمية وبطء التعافي الصناعي عوامل مستمرة في اضعاف ثقة المواطنين، ما يجعل الاقتصاد هنا بوابة مباشرة لاعادة رسم الخريطة السياسية، لا مجرد خلفية لها.

وعلى مستوى اوسع، لا يقتصر الاثر على المؤشرات الكلية، بل يمتد الى تآكل الثقة في النموذج الاجتماعي نفسه.فمع منتصف 2020، تزايد شعور قطاعات من الطبقة الوسطى والعمال بان العقد الاجتماعي الذي تباهت به اوروبا لم يعد يضمن حماية ملموسة من الصدمات، ما جعلهم اكثر استعدادا لتصديق وعود من يقدمون مكاسب فورية مثل توسيع الدعم او خفض الضرائب بشكل جذري، حتى لو كانت كلفتها طويلة المدى اعلى.بهذا المعنى، تعمل الضغوط الاقتصادية كقوة سحب مستمرة من مركز الاعتدال:فهي تضعف جاذبية الحلول المتدرجة، وتفتح فراغا سياسيا يتسع لمن يقدم نفسه بصفته بديلًا ثوريا، ويعيد تعريف السياسة باعتبارها سباقا على الاستجابة السريعة لا على بناء التوافقات.

ثانيا:العوامل الامنية وتاثيرها

شكّلت المواجهة الروسية–الاوكرانية اكبر صدمة امنية لاوروبا منذ عقود، ليس فقط لانها اعادت الحرب الى قلب القارة، بل ايضا بسبب ارتداداتها السياسية والاقتصادية المباشرة.فقد اسهمت العقوبات المتبادلة في تعميق ازمات الطاقة والغذاء، ورفعت منسوب القلق الامني خصوصا على الحدود الشرقية للاتحاد الاوروبي، حيث تداخل الخوف من التصعيد العسكري مع مخاوف اعادة تشكل خطوط تماس جيوسياسية طويلة الامد.وفي هذا السياق، تشير تقارير اوروبية الى تصاعد التهديدات الامنية الداخلية، اذ تم الابلاغ عن 58 هجوما ارهابيا في 14 دولة اوروبية خلال عام 2024، اسفر اكثر من نصفها عن اصابات، بالتوازي مع تسجيل 449 حالة اعتقال مرتبطة بقضايا ارهاب، وهو ما يعكس اتساع نطاق التهديد لا تراجعه.

هذا الشعور العام بانعدام الامن، سواء المرتبط بالارهاب او بتحولات الازمات الاقليمية في جوار اوروبا الجنوبي والشرقي مثل سوريا وليبيا، عزز لدى قطاعات واسعة من الناخبين مطالب اكثر تشددا فيما يتعلق بالامن وحماية الحدود.وفي هذا المناخ، وجدت الاحزاب الشعبوية في ملف الامن اداة تعبئة فعالة، اذ روّجت قوى اليمين المتطرف لنظريات التهديد الخارجي المرتبطة بالهجرة غير النظامية او الارهاب العابر للحدود، بينما لعبت قوى اخرى على وتر استعادة النظام وفرض هيبة الدولة، مقدمة نفسها بوصفها البديل الحازم عن حكومات وسطية بدت مترددة او بطيئة الاستجابة.

ويتقاطع هذا البعد الامني مباشرة مع ازمة الهجرة التي لم تهدأ منذ اكثر من عقد.ففي عام 2023، تقدم نحو 1,050,000 مهاجر بطلبات لجوء داخل الاتحاد الاوروبي، قبل ان تتراجع الاعداد في 2024 الى حوالي 912 الف طلب، اي بانخفاض نسبته 13%، دون ان يعني ذلك انحسار الازمة فعليا.فقد سجل شهر اكتوبر 2023 ذروة لافتة بلغت 115 الف طلب لجوء خلال شهر واحد، كما اثرت تدفقات اللاجئين من اوكرانيا وافريقيا واسيا على سياسات دول عدة، سواء من حيث القدرات الاستيعابية او الخطاب السياسي الداخلي.ودار جدل حاد حول توزيع المسؤوليات بين الدول الاعضاء، والتفريق بين الهجرة المنظمة وغير النظامية، في وقت حاولت فيه الحكومات الوسطية تمرير اطر توافقية جديدة مثل ميثاق الهجرة الاوروبي.

في المقابل، صعّدت التيارات الشعبوية خطابها مستخدمة شعارات من قبيل اغلاق الحدود وعقود الاعادة، مقدمة هذه السياسات بوصفها دفاعا عن الاقتصاد والهوية الوطنية.وظهر هذا التوتر بوضوح في شرق اوروبا، حيث رحبت دول مثل بولندا باللاجئين الاوكرانيين لما لذلك من مردود انساني وسياسي ايجابي، لكنها بقيت شديدة التحفظ ازاء سياسات اعادة التوزيع الاقليمي للاجئين القادمين من سوريا وليبيا، وهو ما يعكس انتقائية امنية–سياسية في التعاطي مع ملف اللجوء.وفي المناطق الريفية والقطاعات المهمشة داخل عدد من الدول، ساهمت زيادة الهجرة في تعزيز حضور احزاب اليمين الشعبوي، خصوصا تلك التي ربطت بين تدفقات المهاجرين وضغوط انظمة الرفاه والخدمات العامة.

وبصورة عامة، اسهم تداخل الضغوط الامنية مع ازمات الهجرة والارهاب في ترسيخ قناعة لدى نسبة متنامية من المواطنين بان الانظمة السياسية التقليدية لم تعد قادرة على حمايتهم.ومع شيوع عناوين من قبيل الحكومة فشلت في وقف الجريمة او الدولة فقدت السيطرة على الحدود، تعزز خطاب شعبوي يقدّم نفسه كحارس امني للمجتمع، مهددا بهدوء الاسس التي قام عليها النظام السياسي الوسطي في اوروبا.

ثالثا:نماذج من الواقع السياسي الأوروبي

في المانيا، اظهرت الانتخابات البرلمانية التي جرت في فبراير 2025 حجم التصدع الذي اصاب التوافق التاريخي في اكبر اقتصاد اوروبي.فقد واصل الحزبان التقليديان الكبيران تراجعهما الحاد، حيث انخفضت نسبة الاتحاد المسيحي الديمقراطي وحليفه البافاري الى 28.5%مقارنة بـ32.9%عام 2021، بينما سجل الحزب الاشتراكي الديمقراطي 16.4%فقط، وهو ادنى مستوى له منذ القرن التاسع عشر.في المقابل، صعد حزب البديل من اجل المانيا اليميني المتطرف الى المركز الثاني بنسبة 20.5%، محققا افضل نتيجة انتخابية في تاريخه.هذا الاختلال في موازين القوى اجبر الحزبين الكبيرين على تشكيل ائتلاف عريض لتامين اغلبية هشة داخل البرلمان، وهو ما وصفه مراقبون بانه ائتلاف ضعيف يواجه صعوبة في ادارة اقتصاد متباطئ ومجتمع منقسم، في ظل تصاعد الضغوط الامنية والهجرية.ومع تركيز اليمين الشعبوي على انتقاد سياسات الهجرة والتنمية الحضرية، بدا تآكل الوسط السياسي واضحا بوصفه مدخلا لفراغ سلطوي استقطبته قوى جديدة.

اما في فرنسا، فقد انتقل النظام السياسي من نموذج حكومة وسطية قوية الى واقع البرلمان المعلق.فمنذ انتخابات الجمعية الوطنية في يونيو 2022، فقد حزب الرئيس ايمانويل ماكرون اغلبيته المطلقة للمرة الاولى منذ 1997، ما قاد الى حكومة اقلية مثقلة بالتنازلات السياسية.وبحلول خريف 2025، كشفت استطلاعات الراي عن تراجع شعبية حزب الرئيس الى اقل من 6%، مقابل صعود التجمع الوطني اليميني الى نحو 22%من نوايا التصويت، في حين فقدت بقية احزاب الوسط واليسار التقليدي قسما كبيرا من قواعدها.يعكس هذا المشهد انقساما ثلاثيا حادا في المجتمع الفرنسي، وسط ازمة ثقة عميقة بالاحزاب السياسية، حيث لا تتجاوز نسبة الثقة العامة بها 10%، ما يجعل الوسط المعتدل في وضع هش وغير قادر على فرض اجندته دون تحالفات اضطرارية ضعيفة.

وفي ايطاليا، تبرز مفارقة مختلفة تجمع بين الاستقرار السياسي والاختناق الاقتصادي.فعلى الرغم من التاريخ الطويل لعدم الاستقرار الحكومي، تمكن تحالف اليمين القومي بقيادة جورجيا ميلوني من تحقيق استمرارية نسبية منذ 2022، مدعوما باغلبية برلمانية واسعة وشعبية متزايدة.غير ان هذا الاستقرار يخفي وراءه معضلات اقتصادية عميقة، من تراجع الانتاج الصناعي الى ضعف الاستثمار والنمو الادنى بين الاقتصادات الاوروبية المتقدمة.ويشير محللون الى ان الحكومة، رغم قوتها البرلمانية، تفتقر الى طموح اقتصادي حقيقي، وان اعتماد الاقتصاد الايطالي على الدعم الاوروبي يجعل اي هزة في هذا الدعم كفيلة باعادة اشعال السخط الشعبي.وعليه، تبدو ايطاليا مثالا صارخا على ان الاستقرار السياسي القائم على خطاب امني واجتماعي لا يضمن بالضرورة استقرارا اقتصاديا طويل الامد، ما يجعل امكانية الانفجار الاجتماعي قائمة اذا لم تُطرح حلول جذرية.

كما وتعكس التجربة الاسبانية صورة واضحة لانطفاء الوسط السياسي وصعود منطق الاستقطاب الحاد.فقد اسفرت الانتخابات البرلمانية في يوليو 2023 عن اعادة انتاج حكومة يسارية بدعم احزاب اقليمية، ولكن بقاعدة تاييد اضعف مقارنة بعام 2019.حصل حزب الشعب، ممثل اليمين التقليدي، على 33.1%من الاصوات، بينما نال حزب فوكس اليميني المتطرف 12.4%، في حين جمع ائتلاف الحكومة اليسارية 31.7%فقط.هذا التوازن الهش جعل تشكيل الحكومة مرهونا بتحالفات دقيقة وقابلة للاهتزاز، وفتح الباب امام احتمالات متكررة للشلل السياسي او العودة الى انتخابات مبكرة.

وقد اظهرت تحليلات سياسية ان هذه النتائج لم تكن مجرد انعكاس لحظة انتخابية عابرة، بل تعبيرا عن ازمة اعمق في قدرة الوسط اليساري على الحفاظ على اجماع مستقر.فخسائر اليسار في الانتخابات المحلية خلال 2023 دفعت الى قرار الانتخابات المبكرة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مفارقة لافتة تمثلت في بقاء ائتلاف اشتراكي–ديمقراطي موحد رغم صعود اليمين المتطرف.غير ان اعتماد الحكومة الحالية على دعم احزاب اقليمية متباينة، واستمرار صعود فوكس بخطاب تعبوي تخريبي، جعلا موقع الحكومة ضعيفا، خصوصا مع اعلان قيادة فوكس استعدادها للتحالف مع حزب الشعب لتشكيل بديل يميني قوي، الامر الذي اعاد المخاوف من سيناريو حكومة يمينية متطرفة الى واجهة النقاش العام.

في بولندا، شكّلت انتخابات اكتوبر 2023 نقطة تحول مفصلية انهت فعليا مرحلة الهيمنة التي مارسها حزب القانون والعدالة القومي منذ عام 2015.فقد تمكنت تحالفات الوسط واليسار المعارضة من انتزاع اغلبية برلمانية بلغت نحو 53.7%، مقابل 35.4%لحزب القانون والعدالة، مع حضور اضافي لليمين المتطرف ممثلا بحزب الكونفدرالية.وعلى الرغم من احتفاظ حزب القانون والعدالة بكونه الكتلة الفردية الاكبر، الا ان نتائج الانتخابات اجبرت الرئاسة، المقرّبة منه، على القبول بانتقال السلطة نحو معسكر المعارضة.

يعكس هذا التحول نهاية نموذج الاستقطاب الثنائي الذي حكم السياسة البولندية لسنوات، ويدشن مرحلة جديدة تقوم على ائتلافات واسعة ومعقدة تتطلب تنسيقا دائما بين قوى متباينة.وفي هذا السياق، برز دور الشارع البولندي، ولا سيما في المدن الكبرى، بوصفه عاملا حاسما في ترجيح كفة القوى الديمقراطية الوسطية في مواجهة الخطاب القومي الشعبوي.فقد عبّر الناخبون عن رغبة واضحة في انتقال سلس نحو اوروبا اكثر استقرارا، ما مثّل رسالة سياسية مباشرة ضد سياسات العزلة والتصعيد التي اتبعها حزب القانون والعدالة، واسهم في تقويض نفوذه على المستوى الوطني.

رابعا:مسارات المستقبل والتوصيات

في المحصلة، يمر الوسط السياسي التقليدي في اوروبا بمنعطف تاريخي حاسم.فقد ادت الازمات الاقتصادية والاجتماعية والامنية المتراكمة الى تضييق هامش المناورة امامه، وافراغ خطابه من القدرة على الاقناع، في وقت تقدمت فيه قوى متشددة بوعد حلول جذرية وسريعة، ولو على حساب التماسك المؤسسي.ولم يعد السؤال المطروح هو ما اذا كان“الحليف المضمون”سيستعيد مكانته، بل الى اي مدى يمكن وقف نزيف الاصوات نحو اطراف الطيف السياسي.

تشير المعطيات الراهنة الى ان استعادة الثقة الشعبية تتطلب تحولا فعليا في اداء الوسط، لا مجرد اعادة تدوير خطاب قديم.فمن جهة، تحتاج الاحزاب الوسطية الى طرح اصلاحات اقتصادية واجتماعية جريئة تمس الواقع المعيشي مباشرة، مثل سياسات الاجور، ودعم القطاعات المتضررة، وبناء سياسة صناعية جديدة تعيد الاعتبار للطبقة المتوسطة.ومن جهة اخرى، يفرض ملف الامن والهجرة حوارا عقلانيا وشفافا يوازن بين حماية الحدود واحترام القيم الانسانية، بدل ترك الساحة لخطاب التخويف والاستقطاب.

كما ان تعزيز الحوكمة الاوروبية والتنسيق بين الدول الاعضاء يبقى عاملا مركزيا في مواجهة الازمات العابرة للحدود، من الطاقة والتضخم الى الامن والهجرة، بما يمنح المواطنين شعورا اكبر بالسيطرة والاستقرار.وفي الختام، قد لا تختفي الشعبوية سريعا من المشهد الاوروبي، لكنها ستفقد زخمها حين يثبت الوسط قدرته على استيعاب الغضب الاجتماعي وتحويله الى سياسات واقعية قابلة للتنفيذ.اما الفشل في ذلك، فقد يعني فعلا نهاية فكرة"الحليف المضمون"في الوعي السياسي الاوروبي، وبداية مرحلة طويلة من عدم اليقين والاستقطاب.

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
اوروبا في 2026--كيف انهار الوسط السياسي تحت ضغط الازمات المتراكمة؟.pdf
272.8 KB