النحاس: المعدن الذي قد يوقف التحول الأخضر والذكاء الاصطناعي

التحول الاخضر والذكاء الاصطناعي لا يتوقفان على الافكار، بل على معدن واحد قد لا يكفي للجميع.

بينما ينشغل العالم بالحديث عن الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي بوصفهما عنوان المستقبل، يظل عنصر اساسي خارج دائرة الضوء:النحاس.هذا المعدن التقليدي يقف اليوم في قلب كل تحول تقني وطاقي كبير، من السيارات الكهربائية، الى شبكات الكهرباء الذكية، وصولا الى مراكز البيانات العملاقة التي تشغّل نماذج الذكاء الاصطناعي.

تشير التقديرات الصناعية الى ان الطلب العالمي على النحاس مرشح للارتفاع بنسب غير مسبوقة خلال العقدين المقبلين.فالمركبة الكهربائية الواحدة تحتوي في المتوسط على نحو 80 كيلوغراما من النحاس، مقارنة بنحو 20 كيلوغراما فقط في المركبات التقليدية.ومع خطط دولية واسعة للتخلي عن محركات الاحتراق الداخلي، يعني ذلك قفزة تلقائية في الطلب حتى قبل احتساب باقي القطاعات.

الطاقة المتجددة بدورها تضاعف الضغط.فمزارع الرياح والطاقة الشمسية تحتاج شبكات نقل اطول ومحولات اكثر كثافة من محطات الوقود الاحفوري التقليدية.ووفقا لتقديرات قطاع الطاقة، فان كل ميغاواط من الطاقة المتجددة يتطلب نحاسا اكثر بكثير من الميغاواط المنتج من الوقود الاحفوري، بسبب البنية اللامركزية لهذه المصادر.

لكن المفارقة الاكبر تظهر في عالم الذكاء الاصطناعي.فرغم طابعه“الرقمي”، يعتمد الذكاء الاصطناعي على بنية مادية ثقيلة:مراكز بيانات، كابلات، انظمة تبريد، وشبكات كهرباء عالية التحمل.هذه البنية تستهلك كميات ضخمة من النحاس، ما يجعل سباق الذكاء الاصطناعي في جوهره سباقا على المعادن بقدر ما هو سباق على الخوارزميات.

في المقابل، يواجه العرض مشكلة زمنية حادة.تطوير منجم نحاس جديد قد يستغرق ما بين 10 و20 عاما بين الاكتشاف، التراخيص، والبناء، في حين ان الطلب يرتفع بوتيرة اسرع بكثير.كما ان الانتاج العالمي يتركز في عدد محدود من الدول، ما يجعل سلاسل التوريد حساسة لاي اضطرابات سياسية او بيئية.

ورغم اهمية اعادة التدوير، تشير البيانات الى انها غير قادرة وحدها على سد الفجوة، لان الطلب الجديد يفوق بكثير الكميات القابلة لاعادة التدوير من البنية الحالية.النتيجة المتوقعة ليست نفاد النحاس، بل اختناق تدريجي ينعكس في ارتفاع الاسعار، زيادة تكاليف المشاريع الخضراء، وابطاء نشر التقنيات الجديدة.

هذا الاختناق يحمل ابعادا اوسع من مجرد سوق معدن.فارتفاع كلفة النحاس قد يؤخر مشاريع الطاقة النظيفة، يحد من توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ويعمّق الفجوة بين الدول القادرة على تأمين الموارد وتلك التي تعتمد على الاستيراد.وهنا يتحول النحاس من مادة صناعية الى عامل استراتيجي يحدد من يستطيع قيادة التحول العالمي ومن سيتأخر عنه.

الخلاصة ان مستقبل الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي لا يتوقف فقط على الابتكار والسياسات، بل ايضا على القدرة المادية للاقتصاد العالمي على توفير معدن واحد صامت.من دون معالجة فجوة النحاس عبر استثمارات مبكرة، تخطيط طويل الامد، وتطوير التدوير والبنية التحتية، قد يصبح المستقبل الذي نخطط له اسرع من قدرتنا على بنائه.

للاطّلاع على الفيديو وقراءة الورقة التحليلية الكاملة، يُرجى التمرير إلى الأسفل.

الوسائط والمرفقات

الفيديوهات (1)
التحميلات
النحاس- المعدن الذي قد يوقف التحول الطاقي والذكاء الاصطناعي.pdf
294.4 KB