المقدمة
في مطلع 2026 يبدو المشهد بين واشنطن وبكين وكأنه يتحرك على حبلين في آن واحد:على السطح هناك مؤشرات"تهدئة"تجارية بعد قمة تشرين الاول/اكتوبر 2025 في كوريا الجنوبية التي انتهت بتخفيضات تعريفية اميركية مقابل تعهدات صينية تتصل بالفنتانيل، وعودة مشتريات زراعية، وتجميد مؤقت لبعض قيود"المعادن النادرة"لمدة عام(Reuters,2025).وفي العمق، يتواصل التصعيد في التكنولوجيا وضبط الصادرات وسلاسل التوريد، بحيث يتحول كل بند تجاري الى اختبار امني، وكل شحنة رقائق الى رسالة ردع(Chatham House,2025).هذا التداخل هو ما يجعل 2026 عاما مربكا:لا"صراع بارد"معلن بقواعد مستقرة، ولا هدنة كاملة تسمح للاقتصاد العالمي بالتقاط انفاسه.
المفارقة ان الطرفين يبدوان قادرين على عقد"صفقات تكتيكية"عندما تتقاطع مصالحهما، لكنهما في الوقت نفسه يعيدان هندسة المنافسة بحيث تصبح اقل اعتمادا على التعريفات المباشرة واكثر اعتمادا على ادوات اغلظ:قيود تكنولوجية، تسليح سلاسل الامداد، وتقسيم المخاطر عبر تحالفات اقتصادية(IMF,2025).حتى لغة القيادات تعكس هذا المسار؛ فبعد اتصال اواخر 2025 تحدثت واشنطن عن تقدم و"علاقة قوية"مع تحديد مواعيد لزيارات متبادلة في 2026، بينما ظل ملف التكنولوجيا خارج"التهدئة"الفعلية(Reuters,2025).
من هنا يطرح هذا التحليل سؤاله المركزي:هل ما نشهده في 2026 مجرد"هدنة تجارية"تخفف الاحتكاك الاقتصادي مؤقتا، ام انه اعادة تعريف للمنافسة بقواعد جديدة تختلف عن العقد الماضي؟ للاجابة، ننظر الى ثلاثة حقول مترابطة:الترتيبات التجارية(تعريفات، سلاسل توريد، تحالفات)، الزيارات الدبلوماسية والتجارية بوصفها اداة ادارة للخلافات وبناء الثقة، ثم التكنولوجيا كحقل صراع يدمج الاقتصاد بالامن ويعيد رسم موازين الردع والتحالفات.
المحور الاول—الترتيبات التجارية:من الحرب التعريفية الى سلاسل توريد مرنة
لفهم 2026 لا بد من العودة الى البنية التي صنعتها حرب التعريفات منذ 2018:لم تكن مجرد ضرائب على الواردات، بل كانت بداية انتقال من"تجارة تعاونية"الى"تجارة كأداة قوة"(WTO,2025).قبل ان تتبدل الادوات، كان حجم الترابط ضخما بما يكفي لجعل القطيعة مستحيلة عمليا؛ فالولايات المتحدة وحدها قدّرت اجمالي تجارتها السلعية مع الصين في 2024 بنحو 582 مليار دولار، مع عجز سلعي كبير يقارب 295.5 مليار دولار، وهو رقم يذكّر بأن التوتر السياسي لم يلغ الاعتماد المتبادل بل اعاد تسعيره ووزّعه على قطاعات مختلفة(U.S.Census Bureau,2024).وفي السنوات اللاحقة، اتجه الطرفان تدريجيا الى تقليل الاعتماد على"التعريفات الصريحة"كالمحرك الوحيد للنزاع، لصالح"تعريفات غير مباشرة"تتمثل بقيود الاستثمار، وفحوصات الامن القومي، وضوابط التصدير، والتحكم بالمدخلات الحرجة كالرقائق والمعادن(IMF,2025).
في 2025–2026 تظهر"الهدنة"على شكل اتفاقات محددة السقف الزمني لا تلغي التنافس بل تنظمه مؤقتا.مثال ذلك"الهدنة التجارية"التي خرجت من قمة 30 اكتوبر 2025، حيث اعلنت واشنطن خفض متوسط تعريفاتها على واردات الصين من نحو 57%الى 47%ضمن حزمة ترتيبات، بالتوازي مع تعليق صيني لقيود"المعادن النادرة"لمدة عام، ومعالجة ملفات حساسة مثل الفنتانيل والمشتريات الزراعية(Reuters,2025).ثم جاءت خطوة صينية لاحقة لتؤكد الطابع"العقدي المؤقت"لهذه الترتيبات:تعليق حظر/تقييد تصدير مواد ثنائية الاستخدام مثل الغاليوم والجرمانيوم والانتيمون ومواد فائقة الصلابة الى الولايات المتحدة حتى 27 نوفمبر 2026(Reuters,2026).هذه ليست مصالحة، بل ادارة نزاع عبر"وقفات محسوبة"تمنع الانفجار الشامل وتترك باب التصعيد مفتوحا اذا تعثرت الالتزامات.
لكن التحول الاهم في 2026 ليس نصوص التعريفات بقدر ما هو ما يحدث خلفها:الانتقال نحو سلاسل توريد"مرنة"تتجنب نقاط الضعف، مع دفع قوي للانتاج المحلي او داخل دوائر الحلفاء.في الادبيات الغربية يُشار الى ذلك بمفاهيم مثل friendshoring وreshoring، وهو مسار يتغذى من قناعة ان"الكفاءة"لم تعد القيمة العليا اذا كانت تقود الى ابتزاز استراتيجي(BIS,2025).تقارير عن بيئة المال والتجارة العالمية تتحدث بوضوح عن ارتفاع عدم اليقين وتزايد الاضطرابات التجارية في سياق توتر جيوسياسي متكرر(WTO,2025).وفي قلب هذا المشهد تقف المعادن الحرجة والارض النادرة:اجتماع وزراء مالية مجموعة السبع في واشنطن منتصف يناير 2026 لمناقشة"ارضيات سعرية"للمعادن النادرة يعكس ان الغرب يتعامل مع السلاسل كملف امن قومي، لا كمجرد سوق(Reuters,2026).
بالنسبة للدول النامية والشرق الاوسط، تخلق هذه"الهدنة المرنة"فرصا ومخاطر في آن واحد.الفرص تظهر عندما تسعى الشركات الى تنويع الموردين:دول تمتلك قواعد صناعية وسيطة قد تستقطب جزءا من خطوط التجميع او خدمات اللوجستيات والبرمجيات، بشرط الاستقرار والحوكمة(World Bank,2025).لكن المخاطر تكمن في ان التجارة تصبح اكثر حساسية للصدمات السياسية، بحيث تؤدي ازمة واحدة في التكنولوجيا او المعادن الى ارتفاعات سعرية واضطراب في الاستثمار.ومن زاوية الطاقة، صحيح ان الصين تبقى مشتريا مركزيا للنفط والغاز، لكن واشنطن ايضا تزيد اهتمامها"بامن الامداد"زمن الازمات، ما يجعل اسواق الطاقة مرتبطة اكثر بالتحالفات وبالممرات وبقرارات السياسة الصناعية لا بالطلب وحده(IEA,2025).
المحور الثاني—الزيارات المتبادلة:الدبلوماسية كاداة لاعادة بناء الثقة
اذا كانت التجارة هي"اللغة"الظاهرة للمنافسة، فالزيارات والاتصالات هي القناة التي تُدار عبرها المخاطر.في اواخر 2025 قدمت الدبلوماسية مثالا واضحا على هذا الدور:بعد قمة كوريا الجنوبية، جاء اتصال هاتفي بين الرئيسين انتهى بالاعلان عن زيارات متبادلة في 2026، بينها زيارة لترامب الى بكين في ابريل ودعوة لزيارة دولة لاحقا في العام نفسه.على المستوى التحليلي، هذا النوع من"جدولة القمم"لا يعني ان الخلافات حُلّت، لكنه يعني ان الطرفين يفضّلان بناء آليات لتجنب سوء الفهم، خصوصا حين تصبح التكنولوجيا والامن السيبراني والتوترات الاقليمية عوامل قابلة لانتاج ازمات سريعة.
اللافت ان الزيارات هنا تؤدي ثلاث وظائف في الوقت نفسه.الوظيفة الاولى داخلية:كل طرف يحتاج ان يثبت لجمهوره انه قادر على انتزاع مكاسب او منع خسائر، ولهذا كانت الهدنة محملة بعناوين قابلة للتسويق السياسي مثل حماية المزارعين او معالجة الفنتانيل او ضمان تدفق المعادن الحرجة.الوظيفة الثانية تفاوضية:تحويل الملفات الاكبر الى حزم صغيرة قابلة للتنفيذ، لان"الاتفاق الشامل"صار شديد الكلفة سياسيا.لذلك نرى فروقا حادة بين"تصريحات قوية"و"اتفاقات تنفيذية"محددة المدة؛ الهدنة تُدار كعقد له تاريخ انتهاء، كما اشارت رويترز الى ان حالة"الديتانت الهش"التي تحققت في 2025 تمتد نحو 2026 لكنها ليست مستقرة وقد تنتهي في النصف الثاني من 2026 اذا لم تُجدد او تُستبدل باتفاق اقوى.الوظيفة الثالثة خارجية:ارسال رسائل الى الطرف الثالث—الحلفاء والخصوم والاسواق—بأن الصراع يمكن ضبطه، وان كل طرف ما زال يمسك بمفاتيح التأثير العالمي.
هذه الوظيفة الثالثة تصبح اوضح اذا نظرنا الى تحركات بكين تجاه اوروبا في الاسابيع الاولى من 2026.زيارة رئيس الوزراء الايرلندي ميشيل مارتن لبكين ترافقت مع حديث صيني صريح عن الرغبة في تعزيز التعاون مع ايرلندا بوصفه مدخلا لتحسين العلاقات مع الاتحاد الاوروبي، وسط توترات تجارية متبادلة بين بروكسل وبكين.هذا النوع من"التواصل الثنائي داخل الفضاء الاوروبي"يشير الى استراتيجية صينية لتخفيف العزلة عبر شراكات جزئية، تماما كما تفعل واشنطن عبر بناء شبكات امن اقتصادي حول المعادن والرقائق.ومن الجهة المقابلة، تكشف تحركات الغرب عن اتجاه متزايد الى"نزع المخاطر"في سلاسل الامداد—خصوصا في المواد الخام الحرجة—كما يظهر في وثائق اوروبية رسمية تتحدث عن تمويل de-risking لبناء سلاسل قيمة اوروبية للمواد الحرجة.
اما في آسيا، فتظل الدبلوماسية مرتبطة بمعادلة الردع:زيارة رئيس كوريا الجنوبية الى الصين مطلع يناير 2026، وحديثه عن احترام"الصين الواحدة"مع التأكيد على ان التحالف مع واشنطن لا ينبغي ان يُفهم كعداء لبكين، يوضح كيف تحاول دول متوسطة القوة ان تمشي بين القطبين، وكيف تصبح المنافسة الاميركية–الصينية مُصدِّرا لضغط جيوسياسي على الحلفاء.حتى حين لا تكون تلك الزيارات ثنائية مع واشنطن، فهي جزء من مناخ المنافسة:الصين تريد طمأنة محيطها بانها شريك اقتصادي، والولايات المتحدة تريد طمأنة حلفائها بانها لن تساوم على التكنولوجيا والامن.
المحور الثالث—التكنولوجيا:من ساحة تنافس الى ساحة نزاع واستثمار
في 2026 تتخذ المنافسة شكلها"الاكثر صلابة"في التكنولوجيا، لانها تمزج ثلاثة اشياء دفعة واحدة:الانتاج(رقائق وذكاء اصطناعي واتصالات)، المعايير(من يضع قواعد السوق)، والردع(منع الخصم من امتلاك قدرات حاسمة).لهذا لا يبدو غريبا ان تهدأ التعريفات نسبيا بينما يشتد الجدل حول تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي او معدات تصنيعها.من امثلة ذلك قيام الولايات المتحدة بتبديل نظام الاعفاءات الواسعة لشركات مثل سامسونغ وSK Hynix داخل الصين بنظام موافقات سنوية لعام 2026 لاستيراد معدات تصنيع الرقائق الى مصانعها هناك، في خطوة تعكس استمرار التضييق المنظم على وصول الصين للتكنولوجيا الحساسة حتى عندما لا تُغلق الابواب بالكامل.وبالمقابل تستخدم بكين ادواتها:القيود على مواد ثنائية الاستخدام والمعادن والمواد الفائقة الصلابة ليست مجرد"ورقة تجارة"، بل قدرة على تعطيل سلاسل قيمة غربية اذا تصاعد النزاع، وهو ما ظهر في قرارات التعليق المؤقت لتلك القيود حتى اواخر 2026 ضمن منطق المقايضة السياسية.
النتيجة ان التكنولوجيا لم تعد قطاعا ضمن الاقتصاد، بل صارت"بنية فوقية"تعيد ترتيب الاقتصاد السياسي للتحالفات:من يملك الرقائق يملك قدرة ضغط، ومن يملك المعادن يملك قدرة تعطيل، ومن يضع المعايير يملك المستقبل.وهنا يعود السؤال:هل يمكن ل"هدنة تجارية"ان تصمد بينما التكنولوجيا تتحول الى ساحة نزاع دائمة تولّد قواعد ردع جديدة كل عام؟
الخاتمة
ما يكشفه مسار 2026 ان العلاقة بين امريكا والصين ليست هدنة باردة صافية، بل مرحلة اعادة تعريف للمنافسة تُدار عبر تجاذب مستمر بين الرغبة في الاستقرار الاقتصادي وبين منطق الردع التكنولوجي وامن سلاسل الامداد.اتفاقات التهدئة—مثل تخفيضات التعريفات وتجميد قيود المعادن—تبدو اشبه ب"صمامات امان"تمنع الانفجار، لكنها لا تعالج الجذر:انتقال الاقتصاد العالمي من زمن الكفاءة المطلقة الى زمن"الامن الاقتصادي"حيث يصبح كل قرار تجاري رسالة سياسية.
بعبارة اخرى، لم يعد النقاش محصورا في التعريفات، بل في سلاسل التوريد، والاستثمار الصناعي، وتكنولوجيا المناعة، والزيارات كآليات ضبط للمخاطر.ويبقى السؤال المفتوح:هل 2026 فصل جديد من منافسة اكثر تنظيما بين اكبر قوتين على الارض، ام مجرد"نقطة توقف"قبل تصاعد جديد يعيد خلط التحالفات ويضاعف كلفة العيش في عالم مجزأ؟

التعليقات